إن من أكثر الصعوبات
التي يواجهها الإنسان في الحياة هي تربية
الأبناء، لذلك
اهتم الإسلام اهتماماً عظيماً بتربية الأبناء قبل حتى
أن يولدوا، فقد
أمر الرجل أن يختار الزوجة الصالحة لكي يكون نسله
صالحاً وكذلك الزوجة
أمرها أن تتزوج من ترضى بدينه وخُلقه،
واهتمامه بالأدعية
التي يجب أن يقولها الزوجين منذ الليلة الأولى
لزواجهما، وما
يقولانه من دعاء قبل العلاقة الحميمة: ( اللهم جنبنا
الشيطان وجنب الشيطان
ما رزقتنا).
وأمر الوالدين
أن يكونا بارين بأولادهما حتى يبروهما عند الكبر، بدءا
من اختيار الاسم
المناسب لهم حتى لا يعيّرهم به أحد حينما
يكبروا وذبح العقيقة
والتي اشتقت من العقوق حتى لا يعقّوهما
أبناءهما عند الكبر
وغيرها من الأمور التي اهتم بها الإسلام وكل
ذلك حتى نربي جيلا
صالحا بكل المقاييس.
عندما تتزوج المرأة
فإنها تجد نفسها مسئولة عن بيت وزوج وأولاد،
فتحس بثقل المسئولية
عليها، فقد كانت قبل الزواج أهلها هم
المسئولون عنها،
بينما بعد الزواج تكون هي المسئولة عن كل
شيء، ولذلك قد
تواجه بعض الصعوبات في البداية، وخصوصاً عندما
ترزق بالطفل الأول.
لذلك يجب على المرأة
كما تهتم بتغذية طفلها منذ أن يكون جنين
في بطنها، وتشتري
له الملابس الجميلة قبل أن ترى عيناه النور،
يجب أيضا أن تهتم
بتغذيته فكرياً ودينيا، ويجب أن لا نغفل دور الأب
أيضا.
نجد أن كثير من
الأمهات يقرأن كتباً عن كيفية تغذية الطفل وتربيته
وكيفية التعامل
مع مشاكله، ولكن للأسف بعضهن نجدهن يهملن
الجانب الديني،
وتتوقف التربية لديهن على بعض الأخلاق الحميدة،
كعدم الكذب أو
السرقة أو غير ذلك، ولذلك نجد أن كثير من الأبناء
يخرجون للدنيا
وهم سليمي الأخلاق (ظاهريا) ولكن يندرجوا في
قائمة الغافلين،
أي أنهم لا يقترفون الآثام ولكن في المقابل لا
يعملون لآخرتهم،
بمعنى أنهم لا يصلون ولا يهتمون بقراءة القرآن أو
الأذكار، أو الذهاب
للعمرة إلخ..
فيعيشوا حياتهم
غافلين، لا هُم مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وبذلك
تذهب أعمالهم الحسنة
هباءً منثورا.
ولأن المرأة هي
نصف المجتمع بل المجتمع بأكمله لأنها هي من
تقوم بتربية النصف
الآخر، بصلاحها يصلح المجتمع، فقد لاحظ أعداء
الدين ذلك، ولذلك
حاولوا كثيراً منذ عشرات السنين إفساد المرأة
حتى تتحقق مآربهم
في إضعاف الدين والنيل منه، وقد كان لهم
ذلك، بعدما انغرت
كثير من نساء الوطن العربي والإسلامي بكلامهم
المعسول فتخلين
عن الدين والحجاب والأخلاق، فأصبح العالم
الإسلامي تتقاذفه
المشاكل من كل الجهات.
ونجد أن كثير من
النساء فطن لما يحاك لهذه الأمة فأصبحن
متمسكات بدينهن
ويربين أبناءهن التربية الإسلامية الصحيحة بعيدا
عن التشدد الديني
الذي يكبت الإنسان فما يلبث أن ينفجر لاحقاً إما بتشددٍ
أكبر أو تخلي تام عن الدين
وربما يكون نهايته الإلحاد والعياذ بالله.
لكي تُعلّمي طفلك
الأخلاق الحميدة، يجب أن تزرعيها فيه كالنبات
منذ الصغر، ويجب
أن تتحلي أنت بهذه الأخلاق حتى يلتزم الطفل
بها، فيشب عليها،
بمعنى لا تعلميه الصدق وتكذبين أمامه، فيجب
أن تكوني صادقة
معه مهما تكن مبررات الكذب لديك، فمثلاً إذا أردت
الذهاب لمكانِ
ما ولا ترغبين بأخذ طفلكِ معكِ، يجب أن تصارحيه أنكِ
ستذهبين إلى المكان الفلاني ولكن
لا يمكنني أخذك معي، فتجنبي الكذب
في
مثل هذه الحالات فعندما ترجعين قد تتحدثين مع أحد أقاربك، أو مع
والده عن المكان الذي
ذهبت إليه وبذلك سينكشف كذبكِ،
فتصير هناك
بلبلة في عقل الطفل، ويتساءل فيأعماقه كيف تريدني
ألا أكذب وهي تكذب،
ولأن الطفل لا يمكن أن يخبأ ما في أعماقه
فإنه حتماً سيخبركِ بأنكِ كاذبة،
وبذلك ستعوديه على الحديث معكِ
بأسلوب غير لائق، فيكبر الطفل وسيتعود على
ذلك، لذلك إياكِ
والكذب مهما كانت المبررات، والطفل سيتفهم
موقفكِ إن تعودت
على الصدق معه ولن يلح عليكِ لاحقاً إن أردت
الذهاب إلى أي
مكان لا تريدي أخذه معكِ.
وكذلك افعلي مع
كل الصفات التي تريدين أن تغرسيها في أبناءك،
فلا تعلميه الأمانة
وتخونينها، فمثلاً إذا احتفظ الطفل لديك ببعض
النقود لا تصرفيها
مهما تكن حاجتكِ لها، بالطبع كلما كان الطفل
صغيراً سيكون المبلغ
التي سيخبأه لديك ضئيلاَ جداً، ولكن عندما
يكبر لابد أنه
سيضع لديك مبلغاً أكبر، احرصي على الاحتفاظ به
وعدم صرفه، وإذا
ألحت الضرورة لصرفه فاقترضيه من عنده
بموافقته،
ثم سدديه له فور
حصولك على المال حتى يتعود على الأمانة، وعلى إرجاع القرض.
التزامك بصلاتك
سيجعله يلتزم بصلاته كلما ذكرتيه بها، وهكذا مع
كل الأعمال التي
يجب أن تعلميها لطفلك.
الطفل لا يتعلم
ولا يلتزم بما تعلّمه إلا بكثرة التكرار ولذلك إن لم
يطيعك من البداية
فلا تحزني لأن كل الأطفال هكذا وإنما ظلي
أعيدي على مسامعه
بكل حب كل ما تريدين تلقينه إياه، فالإنسان
لا يتعلم إلا بكثرة
التلقين وهذا يعتبر شيئا صحيا.
وهذا الحديث ليس
خاص بالأم فقط وإنما للأب أيضاً، يجب أن لا
يتناقض كلام الأبوين
وأفعالهما أمام أبناؤهما حتى ننشئ جيلاً
صالحاً بكل المقاييس.
ويجب أن نعي جيدا
أن التربية الإسلامية الصحيحة لا تكون إلا
بالترغيب والترهيب،
وإني أجزم أن كل من يعارض فكرة ترهيب
الطفل منذ الصغر
أنه تلقى تربية صارمة مليئة بالترهيب بلا ترغيب
وإلا ما وجدنا
أصوات تعلو كل يوم خوفاً على الطفل ومشاعره، فكما
تحدثيه عن النار
حدثيه عن الجنة، وكما تحدثيه عن غضب الله
حدثيه عن رحمته
ولطفه، وهكذا حتى ينشأ جيلا صالحا خاليا من
العقد النفسية
التي يزرعها بعض المربين في قلب الطفل دون وعي.
فكيف لطفل أن يبتعد
عما يغضب الله تعالى إن لم يخاف عقابه؟!
وكيف لطفل أن يعبد
الله حق عبادته إن لم يحلم بالجنة ونعيمها
وتتوق نفسه إليها،
لذلك
ازرعوا في قلوب
أبنائكم حب الله تعالى وخشيته، بهما سيبصروا
الطريق المستقيم
.
