الاثنين، 28 أغسطس 2017

مفرقعات العيد.. أبصار فُقِدت وأصابع بُترت فإلى متى؟

عزة الكمياني
كم من طفل فقد بصره، أو أصابع يده، أو يده كاملة بسبب مفرقعات العيد، مآسٍ كثيرة تحدث بسبب مفرقعات العيد ولولا تلك المآسي لما مُنعت من البيع في البلاد.
أطفالنا يشترون مفرقعات العيد بالرغم من التحذيرات التي نطلقها في الهواء دون فائدة، ولو أنهم لم يجدوا من يُهرِّبها للبلاد لما اشتروها، ربما ضعف عقوبة تهريب المفرقعات هو ما يجعل المهربين يتمادون في تهريبها، والعقوبة كالتالي: السجن لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات وغرامة لا تتجاوز ثلاثة آلاف ريال، أو بإحدى العقوبتين، وتضاعف العقوبة في حالة تكرار الفعل وتصادر المفرقعات.
هل هذه عقوبة تليق بجرم كتهريب المفرقعات النارية؟!
ضعف العقوبات مقارنة بسخاء الكسب المادي من وراء التهريب هو ما يجعل المهربين يتمادون في أفعالهم.
ولكي نحد من انتشار المفرقعات في العيد وفي المناسبات المختلفة يجب أن تكون عقوبة تهريبها تليق بمدى الخراب الذي تسببه، بحيث لا تقل عن عشر سنوات.
ربما يرى البعض أن هذه العقوبة مغلظة كثيرا، بالرغم من أنها عادلة؛ فربما يخشى المهربون من عقوبة الدنيا بما أنهم لم يخشوا عقوبة الآخرة.
والسؤال لكل من يرى أن هذه العقوبة كبيرة على جرم مثل تهريب المفرقعات سوف أسأله سؤالا وليجب عنه:
بكم تبيع بصرك؟
أو حتى إصبعا من أصابعك؟
والجواب حتماً سيكون أن مثل هذه الأعضاء لا يمكن بيعها بالمال، إذًا، إذا كنت لا تستسيغ العيش أعمى ولا فاقدا لأحد أصابعك فكيف تستسيغ أن يعيش طفل هكذا، وهو لا زال يتلمس دروبه بشغف في الحياة.
في صباح العيد الماضي كنت في زيارة سريعة لأحد الأقارب، ففجعني خبر فقد بصر أحد الأطفال الذي لا يزال في العاشرة من عمره بسبب المفرقعات، قالت لي قريبته: الآن منقول لمستشفى النهضة، وقد قال الأطباء إنه حتما سيفقد بصره.
ذلك الخبر المحزن عكَّر صفو يومي الجميل، بالرغم أني لا أعرف الطفل، فكيف سيكون شعور أمه وعائلته.
وفي اليوم الثالث للعيد سمعت عن حادثة مشابهة، ولكن هذه المرة الطفل بترت أصابعه.
ومنذ عدة سنوات فقد جارنا أصابعه بسبب مفرقعات العيد، جارنا لم يكن طفلاً إنما كان شابا في العشرين من عمره.
حوادث كثيرة تحدث كل سنة بسبب مفرقعات العيد، وقبل سنتين أو ثلاث تم تداول فيديو يحكي فيه أحد الخليجيين المعاناة التي استمرت سنوات من أجل علاج ثم زرع أصابع لطفله التي فقدها في صباح عيد بسبب المفرقعات.
وبعد معاناة أربع سنوات – بحسب ما أذكر- إلا أن الأصابع التي تم زرعها كانت جمالية فقط ولا يستطيع الطفل تحريكها ولا استخدامها، لأنها كانت مشلولة.
بالتأكيد كل من يستخدم مفرقعات العيد لا ينوي أن يؤذي نفسه، وإنما يرجو المتعة التي تخلفها الفرقعة القوية أو الأضواء المنبعثة منها، ولكن لا يعلم أن متعة تستمر لدقيقة ربما تخلف خلفها مأساة تستمر طوال العمر.
كلما تذكرت تلك الحوادث المأساوية ازدادت المرارة في حلقي، وازداد حنقي على كل من يُهرِّب المفرقعات أو يبيعها، أين عقولهم وأين ضمائرهم فإن أمنوا عقوبة الدنيا هل يأمنون عقوبة الآخرة؟!
وهؤلاء المهربون ألم يسمعوا أن الله تعالى لا يقبل الدعاء ممن غذى جسده بالحرام، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟. (رواه مسلم)
مع اقتراب كل عيد يصبح هاجس خوف الأمهات والآباء على أطفالهم من مفرقعات العيد تنغص عليهم فرحتهم، فقلق الأمهات يزداد، وتمتمات الدعاء واستوداع الأولاد يتضاعف؛ بسبب الحوادث التي تزداد كل سنة، ولا نعلم ماذا سيحدث في المستقبل إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة وتسن قوانين أكثر ردعاً، وأن تكثف تحرياتها عن المهربين وبائعي المفرقعات، وخاصة في المحلات التي تقع في الحارات، لتحد من هذه الظاهرة إذا كان اجتثاثها صعبا.
ربما يشعر البعض بالنشوة والفرح عندما يسمع مفرقعات العيد، ولكن لو يعلم كم تخلف هذه المفرقعات من مآسٍ ومن ترويع للناس، فقد تروع شيخاً كبيراً طريح الفراش، أو تروع طفلاً رضيعاً تعبت أمه من بكائه قبل أن ينام ثم يأتي أحدهم فيفرقع المفرقعات فجأة دون اكتراث، وكم من المرات تسببت هذه المفرقعات باحتراق الأشجار، والأطفال يزعجون الجيران حينما يفرقعونها في أوقات غير مناسبة، وكذلك يروعون البنات في العيد وكثير منهن أصيبت أو تمزقت ملابسها بسبب المفرقعات، وكذلك يروعون به المارة، وقد شهدت على حادثة رمي المفرقعات في آسيوي فركض هلعا بعدما كادت تنفجر بين قدميه، فانفجرت بالقرب منه، فإن سلم جسده حتما لن تسلم ملابسه الجديدة وهو في صباح العيد.
قال رسول صلى الله عليه وسلم: (من روّع مسلما روعه الله يوم القيامة)
وإذا كان الطفل غير محاسب في الإسلام، فالمحاسب سيكون مهرب المفرقعات وبائعها الذي باعها لذلك الطفل، أين عقول المهربين وهل فعلا لا يشعرون بفداحة ما يقترفونه أم أن الكسب المادي السخي غطى على العقول؟!

رابط المقال في صحيفة أثير
http://www.atheer.om/archives/444778/%D8%B9%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%85%D9%81%D8%B1%D9%82%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D8%B5%D8%A7%D8%B1/

الأحد، 2 يوليو 2017

الإجازة الرسمية بين المعارضة والتأييد

عزة الكمياني

في السنوات الأخيرة ظهر بعض الكتاب الذين ينتقدون الإجازة الرسمية التي تمنح في المناسبات المختلفة، لأنهم يعتقدون أنها أحد الأسباب في تردّي اقتصاد البلد، وبعضهم أتعب نفسه في حساب الخسائر التي يتعرض لها اقتصاد ما خلال تلك الإجازة وكأن الجانب المادي هو الأهم دون أي حساب للجانب المعنوي الذي لا يمكن أن نقيّمه بالمال، بالرغم من أن اجتماع الأهل والتفافهم حول بعضهم لا يساوي الملايين من المال، ولم نعلم يوما أن اقتصاد دولة ما تردى بسبب الإجازات إنما اقتصاد البلدان يضعف لأسباب كثيرة منها الفساد والكسل وعدم التزام الموظفين بالقيام بواجباتهم، وعدم اكتراث المسؤولين بتنويع مصادر الدخل ووضع خطط لزيادة الدخل بعيدا عن الاعتماد على مصدر دخل متذبذب وناضب، ولو أن هؤلاء وعوا قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” لما وصل حال كثير من الدول العربية لما وصلت إليه.

لم تكن الإجازات يوما عبئا على اقتصاد الدول، ففي أوروبا يمنح الموظفون والطلبة إجازة الكريسماس لمدة شهر دون أن يؤثر ذلك على الاقتصاد غير إجازة الايستر التي تمنح بداية الربيع وتمتد لمدة أسبوع أو أسبوعين، غير الإجازات الأخرى التي تمنح طوال السنة، وفي اسكوتلندا يوجد إجازة اسمها ( لونج ويكند) أو إجازة الأسبوع الطويلة تمنح بما لا يقل عن عشرين مرة في السنة بحيث يضم يوم الاثنين لإجازة نهاية الأسبوع مع السبت والأحد، وفي سنغافورة يعمل الموظفون أربعة أيام في الأسبوع، وفي ماليزيا تبدأ إجازة نهاية الأسبوع منذ موعد صلاة الجمعة وتمتد ليومي السبت والأحد، وقرأت قبل أشهر أن إحدى الدول الأوروبية تريد أن تخفض ساعات العمل لأن الإجهاد في العمل يؤدي لمشاكل صحية ونفسية كثيرة، أما في الدول التي تقدس العمل، ولا يأخذ موظفوها إجازات ويمتد عملهم لساعات طويلة في اليوم، نلاحظ أنها هي الدول التي تكون فيها نسبة الانتحار عالية جدا، كاليابان مثلا، فلا يستغرب أحد إذا رأى هناك أحدهم يأخذ قيلولة قصيرة في القطار أو حتى في الشارع؛ فجدول عمله المكتظ لا يسمح له بالعودة للبيت والهناء بدفء العائلة، ولا بأخذ قيلولة في فراشه الوثير، فما فائدة الركض واللهاث إن كان لن يهنأ في حياته؟!

عندما يدخل الإنسان في دائرة المشاريع الخاصة تبدأ نظرته للمال تختلف، لذلك نجد أصحاب الأعمال هم أكثر البشر لهاثا وراء المال، وليس عيبا أن يهتم المسلم بالكسب والربح الحلال ولكن لكل شيء قدر، وإن لم يكبح المرء زمام أمره منذ البداية سيكتشف لاحقا أنه أصبح عبدًا للمال، ولن يسمح لنفسه أن يخسر صفقة مربحة في سبيل منح عائلته وأطفاله فسحة ممتعة، فالصفقة أهم، وتظل حياته تدور هكذا وتكون الضحية العائلة، ثم نفسه التي يرهقها بالأعمال، وغالبا يرفه هؤلاء عن أنفسهم بعيدا عن العائلة بضرب عصفورين بحجر، عمل وترفيه ولكن بعيدا عن الأسرة.

نعلم جيدا أن عمان بلد كبير – ولله الحمد- ومعظم المواطنين ينتظرون الإجازات بشغف لأنها فرصتهم لعبور مئات الكيلومترات ليهنأوا بقضاء الإجازة مع الأهل، ليعودوا بعدها لعملهم أو دراستهم بروح جديدة وذهن متقد وحماس كبير، فالإجازة فرصة للهرب من أعباء الحياة والاختلاء بالذات أو الاجتماع مع الأهل لتجديد الدماء وتفريغ النفس من أعبائها المتراكمة.

وسؤالي لهؤلاء الذين يتحدثون بلغة الأرقام، وبلغة الربح والخسارة، بكم تقيمون فرحة أم تنتظر الإجازة بلهفة ليلتف حولها أولادها المتناثرون في البلاد كلٌ يتبع رزقه؟ وبكم تقيمون فرحة أب ينتظر أولاده بشوق ليقوموا عنه ببعض الأعمال التي أثقلت كاهله، وفرحة زوجة وأولاد ينتظرون رب أسرتهم ليؤوب للبيت لبضعة أيام لتهنأ العائلة فيها بعيدا عن اللهث وراء الأعمال، بكم تقيمون كل ذلك؟؟
إنها أشياء ثمينة تُحس ويُشعر بها ولكن لا تشترى بالمال.


رابط المقال في صحيفة أثير 

http://www.atheer.om/archives/439683/%D8%B9%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AC%D8%A7%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A/