عزة الكمياني
كم من طفل فقد بصره، أو أصابع يده، أو يده كاملة بسبب مفرقعات العيد، مآسٍ كثيرة تحدث بسبب مفرقعات العيد ولولا تلك المآسي لما مُنعت من البيع في البلاد.
أطفالنا يشترون مفرقعات العيد بالرغم من التحذيرات التي نطلقها في الهواء دون فائدة، ولو أنهم لم يجدوا من يُهرِّبها للبلاد لما اشتروها، ربما ضعف عقوبة تهريب المفرقعات هو ما يجعل المهربين يتمادون في تهريبها، والعقوبة كالتالي: السجن لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات وغرامة لا تتجاوز ثلاثة آلاف ريال، أو بإحدى العقوبتين، وتضاعف العقوبة في حالة تكرار الفعل وتصادر المفرقعات.
هل هذه عقوبة تليق بجرم كتهريب المفرقعات النارية؟!
ضعف العقوبات مقارنة بسخاء الكسب المادي من وراء التهريب هو ما يجعل المهربين يتمادون في أفعالهم.
ولكي نحد من انتشار المفرقعات في العيد وفي المناسبات المختلفة يجب أن تكون عقوبة تهريبها تليق بمدى الخراب الذي تسببه، بحيث لا تقل عن عشر سنوات.
ربما يرى البعض أن هذه العقوبة مغلظة كثيرا، بالرغم من أنها عادلة؛ فربما يخشى المهربون من عقوبة الدنيا بما أنهم لم يخشوا عقوبة الآخرة.
والسؤال لكل من يرى أن هذه العقوبة كبيرة على جرم مثل تهريب المفرقعات سوف أسأله سؤالا وليجب عنه:
بكم تبيع بصرك؟
أو حتى إصبعا من أصابعك؟
والجواب حتماً سيكون أن مثل هذه الأعضاء لا يمكن بيعها بالمال، إذًا، إذا كنت لا تستسيغ العيش أعمى ولا فاقدا لأحد أصابعك فكيف تستسيغ أن يعيش طفل هكذا، وهو لا زال يتلمس دروبه بشغف في الحياة.
في صباح العيد الماضي كنت في زيارة سريعة لأحد الأقارب، ففجعني خبر فقد بصر أحد الأطفال الذي لا يزال في العاشرة من عمره بسبب المفرقعات، قالت لي قريبته: الآن منقول لمستشفى النهضة، وقد قال الأطباء إنه حتما سيفقد بصره.
ذلك الخبر المحزن عكَّر صفو يومي الجميل، بالرغم أني لا أعرف الطفل، فكيف سيكون شعور أمه وعائلته.
وفي اليوم الثالث للعيد سمعت عن حادثة مشابهة، ولكن هذه المرة الطفل بترت أصابعه.
ومنذ عدة سنوات فقد جارنا أصابعه بسبب مفرقعات العيد، جارنا لم يكن طفلاً إنما كان شابا في العشرين من عمره.
حوادث كثيرة تحدث كل سنة بسبب مفرقعات العيد، وقبل سنتين أو ثلاث تم تداول فيديو يحكي فيه أحد الخليجيين المعاناة التي استمرت سنوات من أجل علاج ثم زرع أصابع لطفله التي فقدها في صباح عيد بسبب المفرقعات.
وبعد معاناة أربع سنوات – بحسب ما أذكر- إلا أن الأصابع التي تم زرعها كانت جمالية فقط ولا يستطيع الطفل تحريكها ولا استخدامها، لأنها كانت مشلولة.
بالتأكيد كل من يستخدم مفرقعات العيد لا ينوي أن يؤذي نفسه، وإنما يرجو المتعة التي تخلفها الفرقعة القوية أو الأضواء المنبعثة منها، ولكن لا يعلم أن متعة تستمر لدقيقة ربما تخلف خلفها مأساة تستمر طوال العمر.
كلما تذكرت تلك الحوادث المأساوية ازدادت المرارة في حلقي، وازداد حنقي على كل من يُهرِّب المفرقعات أو يبيعها، أين عقولهم وأين ضمائرهم فإن أمنوا عقوبة الدنيا هل يأمنون عقوبة الآخرة؟!
وهؤلاء المهربون ألم يسمعوا أن الله تعالى لا يقبل الدعاء ممن غذى جسده بالحرام، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟. (رواه مسلم)
مع اقتراب كل عيد يصبح هاجس خوف الأمهات والآباء على أطفالهم من مفرقعات العيد تنغص عليهم فرحتهم، فقلق الأمهات يزداد، وتمتمات الدعاء واستوداع الأولاد يتضاعف؛ بسبب الحوادث التي تزداد كل سنة، ولا نعلم ماذا سيحدث في المستقبل إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة وتسن قوانين أكثر ردعاً، وأن تكثف تحرياتها عن المهربين وبائعي المفرقعات، وخاصة في المحلات التي تقع في الحارات، لتحد من هذه الظاهرة إذا كان اجتثاثها صعبا.
ربما يشعر البعض بالنشوة والفرح عندما يسمع مفرقعات العيد، ولكن لو يعلم كم تخلف هذه المفرقعات من مآسٍ ومن ترويع للناس، فقد تروع شيخاً كبيراً طريح الفراش، أو تروع طفلاً رضيعاً تعبت أمه من بكائه قبل أن ينام ثم يأتي أحدهم فيفرقع المفرقعات فجأة دون اكتراث، وكم من المرات تسببت هذه المفرقعات باحتراق الأشجار، والأطفال يزعجون الجيران حينما يفرقعونها في أوقات غير مناسبة، وكذلك يروعون البنات في العيد وكثير منهن أصيبت أو تمزقت ملابسها بسبب المفرقعات، وكذلك يروعون به المارة، وقد شهدت على حادثة رمي المفرقعات في آسيوي فركض هلعا بعدما كادت تنفجر بين قدميه، فانفجرت بالقرب منه، فإن سلم جسده حتما لن تسلم ملابسه الجديدة وهو في صباح العيد.
قال رسول صلى الله عليه وسلم: (من روّع مسلما روعه الله يوم القيامة)
وإذا كان الطفل غير محاسب في الإسلام، فالمحاسب سيكون مهرب المفرقعات وبائعها الذي باعها لذلك الطفل، أين عقول المهربين وهل فعلا لا يشعرون بفداحة ما يقترفونه أم أن الكسب المادي السخي غطى على العقول؟!
رابط المقال في صحيفة أثير
http://www.atheer.om/archives/444778/%D8%B9%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%85%D9%81%D8%B1%D9%82%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D8%B5%D8%A7%D8%B1/