الخميس، 30 أبريل 2020

العزلة في زمن كورونا

عزة بنت محمد الكميانية

اكتشف العالم فجأة أن الصحة أهم من المال والأعمال، وبصيغة أدق الصحة أهم من السياسة والاقتصاد، ومن كل شيء يمكن أن يخطر على البال، فبدون الصحة أو بوجود أي شيء يهددها يتوقف كل شيء.

واكتشف العالم فجأة أن التسلح بالأدوية والأجهزة الطبية أهم من التسلح بالصواريخ والترسانات النووية، وأن تمويل مختبرات العلم أهم من تمويل مختبرات القتل، وأن عالم بيولوجي أهم من نجم مشهور.

واكتشف العالم أن الصلاة والدعاء والتضرع لله تعالى أهم من التسلية، وقضاء الوقت في اللهو والمجون دون أن يكترث أن هناك إله يغضبه، بل إن الكثيرين اكتشفوا فجأة أن هناك إله يُدبر أمر هذا الكون، وأن لديه جنود يرسلهم أينما شاء، ومتى شاء، ويصرفهم عمن يشاء، بل إنَّ من أعظم الاكتشافات التي اكتشفها الإنسان في هذه الأزمة أن طبع قبلة على خد الصغير هي نعمة عظيمة، لم يكن يشعر بها، وتاقت نفسه إليها، بعدما غزا هذا اللا مرئي العالم.

وبالرغم أنني اكتشفت كل ذلك منذ زمن طويل، وكنت أستشعر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حُيِّزت له الدنيا بأسرها). إلا أن الاكتشاف الأخير كان من أعظم الاكتشافات التي أذهلتني، تقبيلنا لأطفالنا وأطفال أقاربنا، حضننا لهم، مصافحة أهلنا وأصدقائنا، كم هي نِعم عظيمة أن نلمس أحبتنا، ونشعر بالقرب منهم، كان كل شيء يمضي دون أن نشعر بعظمة ذلك، وأنه لا يمكن أن يحدث إلا بمشيئة الله وقدرته عز وجل.

كان مؤلمًا أن يعود أطفالنا من المدرسة دون أن نحتضنهم ونقبلهم، وأن نزور بيت أحد أقاربنا دون أن نسلِّم عليهم أو نقبِّل صغارهم، بعدما اُكتشفت أول إصابتين في عُمان، ولكن الأشد ألمًا أننا فقدنا اليوم حتى رؤيتهم، في هذه العزلة فقدنا التجمعات الحميمة مع الأقارب والأصدقاء، وهي من النعم العظيمة التي كنا نغفلها، وكأنَّ الله يريد أن يُشعرنا بالبشر الذين يعيشون في دول الحروب المشتتين في الأرض، يشتاق أحدهم للآخر فلا يستطيع زيارته، لأن زيارته لهم فيها مغامرة كبيرة ربما يفقد حياته بسببها، أو لأنه تفصل بينهم قارات تفرقوا فيها، أينما قدرهم رماهم، يشتاقون لأمهاتهم ولآبائهم ولأخوتهم، فلا يجدونهم، يشتاقون لأصدقائهم، فلا يمكنهم الوصول إليهم، يشتاقون لحيِّهم الذي تربوا فيه، فلا يستطيعون زيارته، وكأن الله يريدنا أن نشعر بمعاناتهم، وأن نختبر مشاعر الألم حينما تغلق المساجد والمدارس والأسواق ويصبح كل شيء ثانوي إلا ما يضمن الحفاظ على الأرواح، أن نخرج مثلهم وكأننا خارجين لعملية فدائية، وأن نخاف ونحن في بيوتنا، أو نحن خارجين للحي المجاور لحيِّنا، أن نسمع أخبار الذي يخيفنا وهو بعيدًا عنا لكن أرجله تتمدد وتقترب منا، فنخشى أن يصل إلينا، إنه كالحرب في البلدان التي اشتعلت فيها الحروب، حينما تكون بعيدًا تمد ألسنة لهيبها حتى تستحوذ بالجسد كله، ومن منَّا لم يدخل الذعر قلبه، ومن منا لم يشعر بالقلق والخوف من هذا المجهول المختبئ لنا، ولأحبتنا.

التحذيرات تنهمر على رؤوسنا، نشعر وكأنَّ كارثة تنتظرنا، نخشى الخروج من منازلنا، نخشى أن نلمس وجوهنا، نخشى أن يغافلنا هذا الكائن المتناهي في الصغر أو أن يغافل أحد أحبتنا.

حتى ونحن في بيوتنا نشعر أن هذا اللا مرئي يندس بيننا، في مقابض الأبواب، ومفاتيح الكهرباء، وفي أكياس المشتريات، نشعر أنه يندس في أيدينا، وملابسنا، وفي أسرَّتنا وتحت وسائدنا.

تتشكل في عقلك سيناريوهات كثيرة وأنت ترى دول تسقط تحت براثن هذا الوباء، تعاني من وسواس النظافة، يزداد وسواسك، تسرف في تنظيف بيتك، وغسل يديك وملابسك، وأنت تعلم يقينًا أنه لا شيء يحميك من هذا الكائن اللا مرئي سوى قدرة الله وحده، تشعر أن كل أسلحتك لا فائدة منها سوى سلاح واحد، هو سلاح الدعاء.
الكل خائف، يترقب، متوجس، الكل ينتظر أن يمضي أسبوعين، فهناك عائدٌ من السفر، وهناك من اختلط ببشر عائدون من السفر، وهناك من أُكتشفت حالات إصابة في مقر عمله أو دراسته، وهناك من يعمل في مستشفى أو اضطر للذهاب للمستشفى، وهناك من خرج لشراء مؤونة للبيت، وكلما مضى أسبوعين استجد شيئًا، وأخيرًا تكتشف أن هذان الأسبوعان لا يمضيان أبدًا ما دام المرض لا يزال متفشيًا في البلد، ولا حل سوى الاستسلام وتفويض الأمر لله تعالى.

وإن كان هذا البلاء في ظاهره العذاب فإن في باطنه الرحمة؛ بعدما رأينا كيف عاد كثير من البشر لرشدهم، وبعد أن تنفَّست الأرض الصعداء بعد أن كان نفسها مكتومًا بسبب التلوث والغازات، مما أدى لالتئام ثقب الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية، كما نشرت مجلة ناشيونال جيوغرافيك، وليست الأرض وحدها من تنفست الصعداء إنما حتى الحيوانات التي كادت تنقرض أو التي هاجرت بعيدًا بسبب التلوث والضوضاء.
وقد رأينا تكاتفنا، وخوفنا على بعضنا، وكيف اندفع الشباب لخدمة وطنهم، فمن يصنع أجهزة ومن يبتكر تطبيقات لاحتواء الأزمة، ومن يستورد المواد الغذائية من بلد المنشأ دون وساطة، ليثبتوا لنا أنهم هم الاستثمار الحقيقي، فإذا استطاع الشباب أن يصنعوا جهاز للتعقيم وأجهزة للتنفس الصناعي ألن يستطيعوا صنع اشياء أخرى تجعلنا من الدول المصنعة؟! هل كنا نحتاج لشيء يُصحِّينا من غفلتنا، أن نأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع، ولا يمكننا أن نغفل أهمية التبادل التجاري، ولكن يجب أن نكون منتجين أيضا وليس مستهلكين دائما، وأن يكون لدينا اكتفاء ذاتي، وخاصة من الأشياء المهمة والضرورية للحياة، كما أن هذه الأزمة فتَّحت الأعين لأشياء كثيرة، كخطورة العمالة الوافدة التي يجب تصحيح قوانين استجلابهم، ومعاملتهم كبشر يستحقون الحياة برفاهية، بحيث يوفر لهم المسكن الصحي والملائم، ومحاربة التجارة المستترة بكل أشكالها.
وكل يوم تظهر لنا تجليات عظمة الله تعالى حتى في وقت البلاء والشدة، فبعد أن اختلفت الدول في التوقيع على الاتفاقيات التي تقلل من انبعاث الغازات التي تلوث البيئة، جاءت قدرة الله تعالى لتوقف كل شيء، ليتعافى كوكب الأرض بعد أن كان على حافة كارثة حتمية، فهل سيستفيد العالم من الدرس، أم سيعود أكثر عتوا وعلوا؟!

وكم من لطفٍ خفي حدث ويحدث وسيحدث حتى تنتهي هذه الأزمة يعلمه الله ولا نعلمه.

وإن كانت لنعمة عظيمة أن ابتلانا الله بالجلوس في بيوتنا وليس بالخروج منها، وخلال هذه المحنة تعلمنا دروس كثيرة، وكما يقال: (إن العبد ليتعلم في ساعات البلاء ما لا يتعلمه في سنين العافية).

وقد اكتشفنا أن الأمن عظيم، عظيم جدا، وأن الصحبة الطيبة، واللَّمة العائلية، ولقاء الأصدقاء والأحبة أثمن من كل شيء.

في هذه العزلة أصبح الاجتماع مع الأحبة الذين نطمئن لوجودهم ونشعر بالراحة معهم شيء مخيف ومقلق، وحتى لو اجتمعنا لشيء مهم جدا نجتمع بخوف كمن ينتظر أن تسقط عليه قنبلة، ولكنها قنبلة مؤجلة لا نعلم بها إلا بعد فوات الأوان، وقد نشرت شظاياها في أجسادنا، أو أجساد أحبتنا، نجتمع والخوف يملأ قلوبنا خوفًا من تسلل هذا اللا مرئي إلى أجسادنا دون أن ندري.

فهل سيفهم أمراء الحرب معنى ذلك أم سيصموا آذانهم عن إنذار الله لهم؟! بعد أن أذاقهم الله الخوف والتشتت، فلا هم قادرين على احتضان أحبتهم، ولا قادرين على مصافحتهم، وإذا اجتمعوا الخوف يملأ قلوبهم، وشعوبهم تموت بين أيديهم دون أن يستطيعوا فعل شيء، هل شعروا بمعنى أن يتألم ويموت مئات بل آلاف الضحايا في الحروب دون أن يكون هناك طاقم طبي ينقذهم، أو أسرَّة وأجهزة طبية كافية لاحتواء آلامهم، هل شعروا بالشعوب التي فُرض عليها حظر التجول، وحُبست في بيوتها، بسبب قنابلهم التي تنهمر على رؤوسهم، هل شعروا بمعنى أن تخشى من عطسة انطلقت بقربك أو تسللت من بيت جيرانك لأذنك، كمن كان يخشى من صوت طائرة محلقة تقترب منه، وهل شعروا بمعنى أن تخاف أن ينفد عليك الطعام فلا تستطيع شراء غيره لشحه في الأسواق، أو لصعوبة التسوق في ظل الأجواء المشحونة بالخوف والقلق، هل شعروا بكل ذلك أم أنهم لا يزالون في غيِّهم يعمهون؟!

وهل اتعظ الذين يهددون بقيام حرب عالمية ثالثة، فجاءتهم الحرب من حيث لم يحتسبوا، أم أنه لا تزال طبول الحرب تطربهم؟!

بماذا يذكرونك السياح الذين حُبسوا في السفن السياحية العملاقة، دون أن يجدوا دولة تسمح باستقبالهم؟

ألا يذكروك باللاجئين في قوارب الموت، وقد تقطعت بهم السبل، والدول تغلق حدودها في وجوههم؟

وإن كان أولئك السياح ينزلون في غرف فاخرة في تلك السفن العملاقة، إلا أن الأمر يتشابه حينما يرفرف الموت بينهم دون أن يجدوا مُنقذًا لأزمتهم.

وبالرغم أن ما يجري في الحروب من إزهاق للأرواح وانهيار للاقتصاد، وذعر وخوف ونفوس مشحونة بالخوف تارة، وبالأمل تارة أخرى، وما يجري الآن من عبث هذا الفيروس بالعالم لا يمكن أن يكون بينهما أدنى مقارنة، فالحرب أشد وأقسى، ولكن هناك تشابه كبير بينهما، وخاصة أنها جاءت حرب شاملة لم تسلم دولة من الاكتواء بها.
وربما تكون مقارنة كهذه هي مقارنة ليست عادلة، فهناك فرقٌ شاسع بين أن تحبس في بيتك وبين أن تخرج منه للعراء، وبين أن تحبس وأنت تتوفر لديك كل مقومات الرفاهية، وبين أن تحبس أو تطرد من بيتك، وأنت لا تملك أدنى مقومات الحياة، وبين الموت في سفينة مُرفهة في عرض البحر وبين الموت في قاربٍ بائس تتقاذفه الأمواج 
في كل اتجاه.

هذا الكائن اللا مرئي زحزح أمان العالم، وأقلق نومه، حتى لو أردنا تجاهله ونسيانه يتسرب لنا اسمه من كل مكان، حتى حينما قررنا عدم متابعة الأخبار، وغلق شبكة المعلومات، ونسيان ما يجري في العالم وحتى في الحي المقابل لحيِّنا؛ حفاظًا على صحتنا النفسية، وجدناه قد تسرب إلينا من هواتفنا: (بقاؤك في البيت واجبٌ وطني لوقف انتشار فيروس كورونا، لا تخرج إلا للضرورة القصوى) كلما أردنا الاتصال بأحبتها لنطمئن عليهم، بعد أن فرقنا هذا الكائن المتناهي في الصغر عن رؤيتهم والاجتماع بهم، حتى أصبح اسمه الذي كان يسبب الذعر مألوفًا لنا، أعرفتم كيف يألف شعوب الحروب الحرب ومشاعر الخوف والقلق، فيسلموا الأمر لخالقهم بعدما انفلت الأمر من بين أيديهم، فلا أمل للنجاة من هذا الخوف الجماعي سوى التفويض والتسليم لله تعالى.

ولن نقول أننا لم نختبر الخوف يومًا، فقد اختبرناه كثيرًا، ولكن جاء هذه المرة قويًا ومدويًا، لأنه جاء خوفًا جماعيًا لأول مرة نختبره بهذه الشدة والقسوة، وخاصة أن وسائل الإعلام تضخمه، وتهوله حتى يلتزم الناس بالتعليمات، ولو لا هذا التضخيم والتهويل لكانت الأزمة أشد وطأة وألما.

ولا يمكننا أن نغفل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (عجبًأ لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له).

ومما لا شك فيه أن كل خير فهو من الله تعالى، وكل شر فهو من أنفسنا، لذلك نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ولنواصل الالتزام بالتعليمات، وبالتباعد الاجتماعي، وأن لا نتراخى حتى تنتهي هذه الأزمة بأقل الخسائر، ولا ننسى أسلحتنا الأقوى: الدعاء والاستغفار والصلاة على خير الأنام.

ولنستعن بالصبر والصلاة حتى يمضي كل شيء بسلام، ونتنفس الصعداء، ونلمس وجوهنا دون أن نشعر بالذنب وتأنيب الضمير، ونقترب من أحبتنا دون أن نخشى شيئًا.

المقال في صحيفة أثير

الأحد، 30 ديسمبر 2018

ظاهرة نشر صور الموتى، والمرضى، والكوارث.. متى تختفي؟!



 عزة الكميانية
تفتح الفيسبوك تجد أحد الأصدقاء الافتراضيين نشر صورة قدمه مغلفة بالجبس، وهو يتأوه ألمًا، فتتعاطف معه، بعد أيام قليلة يصاب ابنك في الملعب، فتجبس قدمه!
ترى أحدهم ينشر صورة ابنه منوما في المستشفى، وأمصال الأدوية موصولة في ذراعه، فتتعاطف معه، بعد أسبوع يقرر الطبيب إجراء عملية مستعجلة لابنك الآخر، يتغيب عن المدرسة أسبوعين، ويظل شهرا آخر لا يقوى على حمل الحقيبة.
تظل لأشهر تتعاطف مع إحدى صديقات العالم الافتراضي وهي تتعالج في أحد المستشفيات من المرض الخبيث، تتابع منشوراتها، تتحسس نعمة الصحة التي أنت فيها، حتى لو كنت تعاني من أمراض مزمنة، وآلام مبرحة، فلا شيء يقارن مع المرض الخبيث، تعجبك قوة تحمُّلها بالرغم أنك غالبا تغلق منشوراتها دون أن تقرأها حينما تكون بمزاجٍ سيئ، حتى لا يتعكر أكثر، وحتى لا يتلبسك الحزن عليها، ويتسلل الألم إلى جسدك كما تسلل لجسدها، ولكن تعود حينما يروق مزاجك لتتابع خط سير علاجها، فيتعكر مزاجك مُجددا، ويتعاظم التعاطف معها في أعماقك، ولكن عند اقتراب نصرها على المرض الخبيث، وقبل رجوعها من رحلة علاجها الطويلة تكتشف أن أعز قريباتك أصيبت بالمرض الخبيث، تظل لأيام تترنح من هول الصدمة.
تكتشف أن كل شيء تتعاطف معه يتشكل في حياتك، وبالرغم أنك تعلم هذه المعلومة من قبل، وتحاول أن لا تتعاطف بكل مشاعرك مع الأحداث، إلا أن الأحداث المُّصورة تجبرك على ذلك، ولا حل سوى الابتعاد عنها، ولكن كيف السبيل لذلك والصور والأخبار تزداد كل يوم في مواقع التواصل الاجتماعي، تشكر الله أن مصيبتك أقل من مصيبة غيرك، فما هو حجم مصيبتك مقارنة بمن فقد عزيزًا على قلبه، فهناك أخبار أشد قسوة من تلك، طفلٌ غرق في دلو ماء ضج الواتساب بالخبر، فتتعاطف مع أمه، تتخيل حزن قلبها عليه، بالرغم أنك لا تعرفها ولا تعرفه، ولكن مجرد سماعك للخبر يجعلك تحزن، فلا يمضي شهر إلا يأتيك الخبر مفجعا، موت ابنة أعز البشر على قلبك غرقا في حوض السباحة، ينفطر قلبك، ليس على بهاء الطفلة الذي غاب للأبد وحسب، وإنما على قلب أمها أيضا، تحاول أن تجمع عبارات المواساة لقلبها، لكن لا تستطيع، تتلعثم الكلمات في فمك، تشعر بالمرارة في كل خلية من جسدك، وتظل كلماتها ترن في أذنك وهي تصرخ في حضنك باسم طفلتها التي غادرت الحياة، شعور قاسٍ جدا لن يشعر به إلا من مرَّ عليه، لم أكن أعلم أن فقد طفل مؤلم لتلك الدرجة، ونحن نعلم يقينا أنها في جنات الخلد، لكن يظل الفقد مُرًا، فكيف يمكن أن يتداول الغرباء صورهم، وينشرونها في كل مكان دون أن يراعوا حزن أقاربهم.
كلما رأيت صور الموتى تنتشر في كل مكان يجتاحك الخوف من فقد عزيز عليك، ما دام أخبار شبكات التواصل الاجتماعي تتشكل في حياتك، والهلع يزداد كلما حدث شيءٌ أربك حياة بشر لا تعرفهم، ولكن حتما سيربك حياتك، إذا حدث حريق ينتابك الخوف من تكرار ذلك في بيتك، وأنت ترى الحرائق تتابع في البيوت، يصيبُك الهلع من نسيان الطبخة على النار، فتتفقد مفاتيح الموقد حتى لا تنسى أحدها مشتعلة، وقبل أن تنام تغلق مفاتيح الكهرباء للأجهزة غير المستخدمة خوفًا من اندلاع شرارة، فتُحول كل شيء لسواد، الذعر يتسلل إلى أعماقك كلما نشر أحدهم صورا لطفلهِ المريض بمرضٍ عضال، تحزن عليه وتخشى على أطفالك، حتى أطفال متلازمة داون تكاثر عددهم في السنوات الأخيرة من كثر ما ينشر أهلهم صورهم وكأنهم يتفاخرون بأن هؤلاء أحد أفراد أسرتهم، وأنهم لا يستحون من ذلك وأنهم يهتمون بهم، وبدارستهم، هذا بالتأكيد شيء جيد، فيجب أن يحصل هؤلاء على حقهم بالتعليم والاهتمام وبالدفء العائلي، لكن لا يحتاج الأمر لكل ذلك التفاخر والتباهي، فهذا حق مشروع لهم، فنشر صورهم باستمرار أدى لتزايد عددهم، أشياء كثيرة ازدادت في السنوات الأخيرة، موت الفجأة، الحرائق، حوادث حافلات المدرسة، حوادث الغرق، جرائم القتل، أمراض السرطان، فمتى سيعي الناس أن نشر الأخبار السيئة يجعل عددها يزداد.
متى يعي الناس أن ليس كل ما يحدث لنا صالحًا للنشر؟! وأن تعاطف ووقفة أحبتنا في تلك المواقف خير معين على تجاوزها، فلمَ نشرك العالم بها، لمَ نجعلهم يتعاطفون معنا؟!
عندما نكون حزينين ونكتب عن ذلك، فإن الحزن يتكاثر، ويتعاظم في صدورنا، بينما لو صبرنا وكتمنا ما في أنفسنا فإن كل شيء سيمضي بسلام، متى يتعلم الآخرون ذلك فلا يشتكون، ولا يتذمرون، ويفوضون أمرهم إلى الله؟ّ! أما نشر كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، فإنه يضرنا أكثر مما ينفعنا، ويضر الآخرين أيضاً حينما نشركهم في أحزاننا، وهم لا يعرفوننا ولا يمتون لنا بصلة، فيصابوا بالعدوى منّا، فالحزن معدٍ أيضاً، فلننشر الفرح بيننا حتى تختفي الكوارث فلا تعود بالظهور إلا بالقدر اليسير كما كانت في الماضي، وليس في فترة زمنية قصيرة فلا يكاد الإنسان يلتقط أنفاسه من مصيبة حتى تحل عليه أو على أحد أقاربه مصيبة أخرى.
فكلما فتحنا أحد برامج التواصل الاجتماعي اندلقت منها صور الموتى، بشرٌ لا تربطنا بهم علاقة، ما الداعي لأن نعرفهم ونحزن لموتهم، أذكر حينما توفي الطفل السوداني المنسي في حافلة المدرسة، حزنا لأجله، تعاطفنا مع أهله، ودعونا الله أن يصبرهم، لكن مهما كان التعاطف لم يكن عظيما مثل تعاطف وحزن من يعرف الطفل أو أحد أقاربه، هكذا نحن البشر مهما تعاطفنا مع الآخرين يظل تعاطفنا مع أقاربنا ومعارفنا أكبر وأكثر عمقا، لكن لم تمضِ سوى أيام حتى حصل أحدهم على صورة للطفل المتوفى فنشرها في أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ثم انتشرت في كل المواقع الأخرى، صُدمت حينما رأيت صورته، شعرت بالألم وبمرارة الفقد، طفلٌ وسيم، ويبدو أنه طفل هادئ وذكي، دعوت الله كثيرًا أن يصبر أمه، ازداد تعاطفي أكثر، فمن يفقد طفلا كجماله وبراءته يعد شيئا صادما ومؤلما جدا، بالتأكيد حينما تغيب صورة الشخص المتوفى عن أذهاننا لا نتعاطف معه بالقدر نفسه لو كنا نعرف شكله، نذهب كثيرا لعزاء الصديقات والقريبات لوفاة أحد أقاربهم دون أن نعرف شكل المتوفى، يبدو الأمر أقل ألما من لو كنا نعرفه، أو رأينا صورته، ولكن أصبح في الآونة الأخيرة نعرف وجه كل من يتوفى؛ لأن الصور تنشر في كل منصات التواصل الاجتماعي، فيزداد الألم، ويزداد التعاطف مع ذويه، ربما يقول البعض وما الضير في ذلك؟! ألا يكفي الإنسان المصائب التي تصيبه، أو تصيب أحدا من أفراد أسرته أو أقاربه أو أصدقائه، نشر صور الموتى وأخبار الموت يجعل الإنسان لا يمر يوم دون أن يسمع خبرا محزنا، مما يجعله في ضغط نفسي كل يوم، ربما يكون يومها مبتهجا لأن ابنه حصل على شهادة تقدير لتفوقه الدراسي ثم فجأة وسط ابتسامته الكبيرة، وغبطة وحبور قلبه، يفتح أحد برامج التواصل الاجتماعي فيجد خبرا عن موت فلان أو فلانة، وهو لا يعرفهما، ولكن لأن أحد أعضاء المجموعة علم بوفاتهما فأرسلها لهم، متى يفهم الناس أن هذه العادة سيئة جدا؟!
إذا توفي شخص فإن أهله وأقاربه ومعارفه وأصدقاءه سوف يعلمون بموته بالتأكيد، لا داعي لنشر خبر وفاته في مجموعات الواتساب، ولا داعي لنشر صوره في منصات التواصل الاجتماعي، لا داعي للتباكي والحزن عليه في كل الحسابات، ممن يعرفونه وممن لا يعرفونه، إنهم بذلك ينشرون الحزن كل يوم، ألا يكفي حزن أهله عليه، ألا يكفي ترحمهم عليه؟! فالمؤمن يرحمه الله دون أن يترحم عليه أحد، أما الكافر فلن يغفر الله له حتى لو استغفر له كل من في الأرض، حقيقة ربما يجهلها الكثيرون ويظنون أن آلاف الترحمات التي تنطلق من الأفواه ستغير من مصائر الذين ماتوا، وبعضهم يبلغ بهم المبلغ أن يجزم أن المتوفى في جنات النعيم، والله تعالى قال “لا تزكوا أنفسكم” فكيف بمن يزكي غيره! فالله تعالى وحده (جل وعلا) يزكي الناس ويعلم ما اجترحوا من سيئات أو اكتسبوا من حسنات، فيبادر البعض بالنشر، وكأن هناك تنافسا بينهم، ألا يكفي موت شخص عزيز عليك قبل أشهر أو سنوات واندمل الجرح قليلاً، فيأتي أحدهم ليفتح جراحا أخرى، والعجيب أنها جراح ليست جراحنا، أشخاص لا تربطنا بهم أي صلة، أشخاص لا نعرف عنهم شيئاً، وربما لم نسمع عنهم إلا بعدما توفوا، فليرحمهم الله، وليُصبِّر أهلهم، فما ذنبنا لنتعاطف مع هذا الكم الهائل من الموتى الذين لا تربطنا بهم صلة، فليمت من يمت وليعش من يعش، وليمرض من يمرض، لمَ النشر؟! ولمَ التباكي والنواح على بشر ربما حتى من نشر صورهم لا يعرفونهم في الواقع؟!
ظاهرة نشر صور الموتى والمرضى والأخبار الشخصية المؤلمة أصبحت ظاهرة مزعجة جداً؛ لأنها تكاثرت كثيرا، فلا أعلم متى ستختفي وتجعلنا نهنأ في حياتنا، دون أن تتكدر كل يوم؟! فلا يوجد بيت ليس فيه مريض أو فقد عزيز، أو حلَّت عليه مصيبة، لكن لم نكن نشعر بها، يكفينا مصائبنا وأحزاننا، ومصائب أقاربنا، وجيراننا، ومعارفنا، فلمَ نقحم أحزان الآخرين في حياتنا، حتى ظننا أننا نعيش في حزن كل يوم، بالرغم من النعم العظيمة التي تحيط بنا، لا نستشعرها ونحن نرى بشرا آخرين يتعذبون، ويتألمون، ويحزنون، كل يوم نحن نشاركهم مشاعرهم، وخاصة حينما يتم نشر الصور، فمهما تجاهلنا الأمر وحاولنا أن ننساه تظل صور موتاهم الذين انفطرت قلوبهم عليهم تتقافز أمام أعيننا، حتى حينما نغمضها للنوم، فكيف نهنأ في حياتنا ونحن نعلم أن هناك من فقد عزيزا أصبحنا نعرف شكله، وصورته لا تغادر أذهاننا، وهناك من يتألم لفقده، كيف يمكننا أن نهنأ ونحن نعلم أن صاحب الصورة لم يعد يحيا في عالمنا، وأنه انتقل لعالم مجهول لا يمكننا الإحاطة بما يمكن أن يكون حاله هناك بعيداً عنَّا.
وما إن يمرض أحدهم حتى نشر صورة يده موصولة في الدواء، وما إن أصيب أحدهم بمرض عضال حتى ورَّط الآلاف معه بمرضه وتعاطفوا معه، وما إن يموت طفل حتى ضجَّت شبكات التواصل الاجتماعي بصوره، وبالبكاء والعويل على فقده، وإذا كان لدى الشخص حساب في أحد المواقع الافتراضية فإنهم يحفظون صوره ثم ينشرونها في كل شبكات التواصل الأخرى، علماً أن من ينشرون الصور غالبا لا يعرفون المتوفى ولا أحدًا من أهله، ارحمونا قليلاً، ودعونا نهنأ في حياتنا، فإن كان هذا تأثير صور الموتى والمرضى في نفوسنا، فكيف سيكون شعور أهلهم، وهم يرون صورهم منشورة في كل مكان، فليس كل البشر قادرين على رؤية صور أحبتهم وهم أموات، وخاصة حينما يكون الجرح لا يزال طريا، هل يجب أن يصدر قانون يُجرِّم نشر صور الموتى كما صدر القانون الذي يُجرِّم تصوير ونشر صور الحوادث والمصابين؟.
إذا استمر الأمر هكذا فنحن أمام خيارين: إما أن نصبح متبلدي المشاعر لا يهزنا شيء، وأجسادًا خاوية بلا قلوب، أو أن يظل الحزن يُخيم على حياتنا للأبد.
يجب أن نعلم حجم الضرر الذي نسببه في نشر الأخبار السيئة لنا وللعالم، فالمصائب تزداد، والأمراض كذلك، والحوادث، والحرائق، تعاطفنا مع الآخرين يجعلنا عرضة لجذب نفس الأحداث لحياتنا، فرجاء رفقا بنا وبقلوبنا، وإن علمتم بمصيبة فاكتموها، والأهل بالتأكيد سيعلمون بتلك المصيبة حتى لو كانوا في أبعد نقطة من المعمورة، دعوا أهلهم يمهدون لهم نقل الخبر قبل أن يقرأوه في شبكات التواصل الاجتماعي، فيصدموا دون سابق إنذار.
المقال نشر اليوم في صحيفة أثير
http://www.atheer.om/archives/487409/%D8%B9%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%86%D8%B4%D8%B1-%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA/

الاثنين، 28 أغسطس 2017

مفرقعات العيد.. أبصار فُقِدت وأصابع بُترت فإلى متى؟

عزة الكمياني
كم من طفل فقد بصره، أو أصابع يده، أو يده كاملة بسبب مفرقعات العيد، مآسٍ كثيرة تحدث بسبب مفرقعات العيد ولولا تلك المآسي لما مُنعت من البيع في البلاد.
أطفالنا يشترون مفرقعات العيد بالرغم من التحذيرات التي نطلقها في الهواء دون فائدة، ولو أنهم لم يجدوا من يُهرِّبها للبلاد لما اشتروها، ربما ضعف عقوبة تهريب المفرقعات هو ما يجعل المهربين يتمادون في تهريبها، والعقوبة كالتالي: السجن لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات وغرامة لا تتجاوز ثلاثة آلاف ريال، أو بإحدى العقوبتين، وتضاعف العقوبة في حالة تكرار الفعل وتصادر المفرقعات.
هل هذه عقوبة تليق بجرم كتهريب المفرقعات النارية؟!
ضعف العقوبات مقارنة بسخاء الكسب المادي من وراء التهريب هو ما يجعل المهربين يتمادون في أفعالهم.
ولكي نحد من انتشار المفرقعات في العيد وفي المناسبات المختلفة يجب أن تكون عقوبة تهريبها تليق بمدى الخراب الذي تسببه، بحيث لا تقل عن عشر سنوات.
ربما يرى البعض أن هذه العقوبة مغلظة كثيرا، بالرغم من أنها عادلة؛ فربما يخشى المهربون من عقوبة الدنيا بما أنهم لم يخشوا عقوبة الآخرة.
والسؤال لكل من يرى أن هذه العقوبة كبيرة على جرم مثل تهريب المفرقعات سوف أسأله سؤالا وليجب عنه:
بكم تبيع بصرك؟
أو حتى إصبعا من أصابعك؟
والجواب حتماً سيكون أن مثل هذه الأعضاء لا يمكن بيعها بالمال، إذًا، إذا كنت لا تستسيغ العيش أعمى ولا فاقدا لأحد أصابعك فكيف تستسيغ أن يعيش طفل هكذا، وهو لا زال يتلمس دروبه بشغف في الحياة.
في صباح العيد الماضي كنت في زيارة سريعة لأحد الأقارب، ففجعني خبر فقد بصر أحد الأطفال الذي لا يزال في العاشرة من عمره بسبب المفرقعات، قالت لي قريبته: الآن منقول لمستشفى النهضة، وقد قال الأطباء إنه حتما سيفقد بصره.
ذلك الخبر المحزن عكَّر صفو يومي الجميل، بالرغم أني لا أعرف الطفل، فكيف سيكون شعور أمه وعائلته.
وفي اليوم الثالث للعيد سمعت عن حادثة مشابهة، ولكن هذه المرة الطفل بترت أصابعه.
ومنذ عدة سنوات فقد جارنا أصابعه بسبب مفرقعات العيد، جارنا لم يكن طفلاً إنما كان شابا في العشرين من عمره.
حوادث كثيرة تحدث كل سنة بسبب مفرقعات العيد، وقبل سنتين أو ثلاث تم تداول فيديو يحكي فيه أحد الخليجيين المعاناة التي استمرت سنوات من أجل علاج ثم زرع أصابع لطفله التي فقدها في صباح عيد بسبب المفرقعات.
وبعد معاناة أربع سنوات – بحسب ما أذكر- إلا أن الأصابع التي تم زرعها كانت جمالية فقط ولا يستطيع الطفل تحريكها ولا استخدامها، لأنها كانت مشلولة.
بالتأكيد كل من يستخدم مفرقعات العيد لا ينوي أن يؤذي نفسه، وإنما يرجو المتعة التي تخلفها الفرقعة القوية أو الأضواء المنبعثة منها، ولكن لا يعلم أن متعة تستمر لدقيقة ربما تخلف خلفها مأساة تستمر طوال العمر.
كلما تذكرت تلك الحوادث المأساوية ازدادت المرارة في حلقي، وازداد حنقي على كل من يُهرِّب المفرقعات أو يبيعها، أين عقولهم وأين ضمائرهم فإن أمنوا عقوبة الدنيا هل يأمنون عقوبة الآخرة؟!
وهؤلاء المهربون ألم يسمعوا أن الله تعالى لا يقبل الدعاء ممن غذى جسده بالحرام، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟. (رواه مسلم)
مع اقتراب كل عيد يصبح هاجس خوف الأمهات والآباء على أطفالهم من مفرقعات العيد تنغص عليهم فرحتهم، فقلق الأمهات يزداد، وتمتمات الدعاء واستوداع الأولاد يتضاعف؛ بسبب الحوادث التي تزداد كل سنة، ولا نعلم ماذا سيحدث في المستقبل إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة وتسن قوانين أكثر ردعاً، وأن تكثف تحرياتها عن المهربين وبائعي المفرقعات، وخاصة في المحلات التي تقع في الحارات، لتحد من هذه الظاهرة إذا كان اجتثاثها صعبا.
ربما يشعر البعض بالنشوة والفرح عندما يسمع مفرقعات العيد، ولكن لو يعلم كم تخلف هذه المفرقعات من مآسٍ ومن ترويع للناس، فقد تروع شيخاً كبيراً طريح الفراش، أو تروع طفلاً رضيعاً تعبت أمه من بكائه قبل أن ينام ثم يأتي أحدهم فيفرقع المفرقعات فجأة دون اكتراث، وكم من المرات تسببت هذه المفرقعات باحتراق الأشجار، والأطفال يزعجون الجيران حينما يفرقعونها في أوقات غير مناسبة، وكذلك يروعون البنات في العيد وكثير منهن أصيبت أو تمزقت ملابسها بسبب المفرقعات، وكذلك يروعون به المارة، وقد شهدت على حادثة رمي المفرقعات في آسيوي فركض هلعا بعدما كادت تنفجر بين قدميه، فانفجرت بالقرب منه، فإن سلم جسده حتما لن تسلم ملابسه الجديدة وهو في صباح العيد.
قال رسول صلى الله عليه وسلم: (من روّع مسلما روعه الله يوم القيامة)
وإذا كان الطفل غير محاسب في الإسلام، فالمحاسب سيكون مهرب المفرقعات وبائعها الذي باعها لذلك الطفل، أين عقول المهربين وهل فعلا لا يشعرون بفداحة ما يقترفونه أم أن الكسب المادي السخي غطى على العقول؟!

رابط المقال في صحيفة أثير
http://www.atheer.om/archives/444778/%D8%B9%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%85%D9%81%D8%B1%D9%82%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D8%B5%D8%A7%D8%B1/

الأحد، 2 يوليو 2017

الإجازة الرسمية بين المعارضة والتأييد

عزة الكمياني

في السنوات الأخيرة ظهر بعض الكتاب الذين ينتقدون الإجازة الرسمية التي تمنح في المناسبات المختلفة، لأنهم يعتقدون أنها أحد الأسباب في تردّي اقتصاد البلد، وبعضهم أتعب نفسه في حساب الخسائر التي يتعرض لها اقتصاد ما خلال تلك الإجازة وكأن الجانب المادي هو الأهم دون أي حساب للجانب المعنوي الذي لا يمكن أن نقيّمه بالمال، بالرغم من أن اجتماع الأهل والتفافهم حول بعضهم لا يساوي الملايين من المال، ولم نعلم يوما أن اقتصاد دولة ما تردى بسبب الإجازات إنما اقتصاد البلدان يضعف لأسباب كثيرة منها الفساد والكسل وعدم التزام الموظفين بالقيام بواجباتهم، وعدم اكتراث المسؤولين بتنويع مصادر الدخل ووضع خطط لزيادة الدخل بعيدا عن الاعتماد على مصدر دخل متذبذب وناضب، ولو أن هؤلاء وعوا قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” لما وصل حال كثير من الدول العربية لما وصلت إليه.

لم تكن الإجازات يوما عبئا على اقتصاد الدول، ففي أوروبا يمنح الموظفون والطلبة إجازة الكريسماس لمدة شهر دون أن يؤثر ذلك على الاقتصاد غير إجازة الايستر التي تمنح بداية الربيع وتمتد لمدة أسبوع أو أسبوعين، غير الإجازات الأخرى التي تمنح طوال السنة، وفي اسكوتلندا يوجد إجازة اسمها ( لونج ويكند) أو إجازة الأسبوع الطويلة تمنح بما لا يقل عن عشرين مرة في السنة بحيث يضم يوم الاثنين لإجازة نهاية الأسبوع مع السبت والأحد، وفي سنغافورة يعمل الموظفون أربعة أيام في الأسبوع، وفي ماليزيا تبدأ إجازة نهاية الأسبوع منذ موعد صلاة الجمعة وتمتد ليومي السبت والأحد، وقرأت قبل أشهر أن إحدى الدول الأوروبية تريد أن تخفض ساعات العمل لأن الإجهاد في العمل يؤدي لمشاكل صحية ونفسية كثيرة، أما في الدول التي تقدس العمل، ولا يأخذ موظفوها إجازات ويمتد عملهم لساعات طويلة في اليوم، نلاحظ أنها هي الدول التي تكون فيها نسبة الانتحار عالية جدا، كاليابان مثلا، فلا يستغرب أحد إذا رأى هناك أحدهم يأخذ قيلولة قصيرة في القطار أو حتى في الشارع؛ فجدول عمله المكتظ لا يسمح له بالعودة للبيت والهناء بدفء العائلة، ولا بأخذ قيلولة في فراشه الوثير، فما فائدة الركض واللهاث إن كان لن يهنأ في حياته؟!

عندما يدخل الإنسان في دائرة المشاريع الخاصة تبدأ نظرته للمال تختلف، لذلك نجد أصحاب الأعمال هم أكثر البشر لهاثا وراء المال، وليس عيبا أن يهتم المسلم بالكسب والربح الحلال ولكن لكل شيء قدر، وإن لم يكبح المرء زمام أمره منذ البداية سيكتشف لاحقا أنه أصبح عبدًا للمال، ولن يسمح لنفسه أن يخسر صفقة مربحة في سبيل منح عائلته وأطفاله فسحة ممتعة، فالصفقة أهم، وتظل حياته تدور هكذا وتكون الضحية العائلة، ثم نفسه التي يرهقها بالأعمال، وغالبا يرفه هؤلاء عن أنفسهم بعيدا عن العائلة بضرب عصفورين بحجر، عمل وترفيه ولكن بعيدا عن الأسرة.

نعلم جيدا أن عمان بلد كبير – ولله الحمد- ومعظم المواطنين ينتظرون الإجازات بشغف لأنها فرصتهم لعبور مئات الكيلومترات ليهنأوا بقضاء الإجازة مع الأهل، ليعودوا بعدها لعملهم أو دراستهم بروح جديدة وذهن متقد وحماس كبير، فالإجازة فرصة للهرب من أعباء الحياة والاختلاء بالذات أو الاجتماع مع الأهل لتجديد الدماء وتفريغ النفس من أعبائها المتراكمة.

وسؤالي لهؤلاء الذين يتحدثون بلغة الأرقام، وبلغة الربح والخسارة، بكم تقيمون فرحة أم تنتظر الإجازة بلهفة ليلتف حولها أولادها المتناثرون في البلاد كلٌ يتبع رزقه؟ وبكم تقيمون فرحة أب ينتظر أولاده بشوق ليقوموا عنه ببعض الأعمال التي أثقلت كاهله، وفرحة زوجة وأولاد ينتظرون رب أسرتهم ليؤوب للبيت لبضعة أيام لتهنأ العائلة فيها بعيدا عن اللهث وراء الأعمال، بكم تقيمون كل ذلك؟؟
إنها أشياء ثمينة تُحس ويُشعر بها ولكن لا تشترى بالمال.


رابط المقال في صحيفة أثير 

http://www.atheer.om/archives/439683/%D8%B9%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AC%D8%A7%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A/

الخميس، 24 ديسمبر 2015

رسولنا الكريم في عيون الغرب بين الإنصاف والتشويه



يمر عام بعد عام، وحبك يا رسول الله يكبر في قلوبنا كل عام، في سيرتك النبوية شيٌ يجذبنا نحوك بشدة، شيءٌ يجعلنا نشكر الله تعالى أنه جعلنا مسلمين، شيءٌ يجعلنا نمضي نحو العلا وفي طريق الحق المستقيم.
من سيرتك النبوية عرفنا أن هجرتك نحو يثرب لم تكن هروباً لم تكن سوى بداية لرحلة تكوينك لدولة أصبحت لاحقاً أعظم دولة عرفتها البشرية، لم تكن تعلم ماذا سيحدث لاحقا ولكن كنت تعلم علم اليقين أن الله تعالى معك، وأنك يجب أن تنفذ أوامره بالهجرة، مهما يكن من تضحيات، غرست في قلوب أصحابك حب الله تعالى فمضوا في طريقك بلا نقاش أو جدال.
وإن من اللحظات العصيبة التي مر بها الإسلام هي اللحظات التي سبقت خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته مهاجرا نحو المدينة المنورة، بعدما أجمعت قريش الثائرة على قتله، إلى أن وصل بسلام إلى وجهته  المدينة المنورة.
ويرى المتتبع للسيرة النبوية الشريفة أن الهجرة النبوية كانت منعطفاً خطراً ومهماً في التاريخ الإسلامي، بسببها تكونت الدولة الإسلامية، وبسببها دحر الكفر وعز الإسلام، هي منعطف جد خطِر، ومنه نتعلم دروس وعبر، يجب أن نعلمها أبنائنا مهما طال عليها الزمن، فهي خالدة بخلود الإسلام، وتعلمها تزيد الإيمان وتغرس حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
ولكن عندما نسمع ونرى ونقرأ عداوة الغرب للمسلمين ولرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم نقف مُدهشين مما نرى، انبهارنا بنبينا الكريم وبسيرته العطرة جعلنا نظن أنه يجب أن ينبهر به كل العالمين، ولكن لو رجعنا لأنفسنا وسألناها لماذا أنت منبهرة برسولنا الكريم؟ فسيكون الجواب لأنا عرفنا خصاله وأخلاقه وصلابته وقت الشدائد وبطولاته التي يعجز الكُتاب – مهما وصفوها – في وصفها، لقد علمنا القرآن الكريم ذلك، وتعلمناها ابتداءً من البيت إلى المسجد إلى المدرسة، حب رسولنا الكريم  صلى الله عليه وسلم غُرس في قلوبنا كما تغرس النبتة في التربة، وكبر وترعرع معنا، ولكن كما أنه هنا من يوجد ليحدثنا عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم منذ الصغر وإلى أن كبرنا وأصبحنا واعين أكثر من ذي قبل من هو محمد صلى الله عليه وسلم ، هناك في الجانب الآخر من يثير الكراهية والحقد لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ابتداءً من البيت إلى المدرسة إلى الكنيسة إلى الإعلام، والسبب الرئيسي لهذا الهجوم هو إبعاد غير المسلمين عن الإسلام أو كل ما يمكن أن يقربهم منه، فلو علمنا كيف يُحرفون الحقائق لما نام لنا جفن حتى نرد كيدهم في نحورهم، فعندما نرجع للتاريخ نجد أنه لا توجد شخصية رائعة وقوية وشجاعة وناجحة هوجمت بشدة كما هوجمت شخصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو خير الخلق وخير المرسلين.
وكما يقول المستشرق البريطاني ونتجومري وات: لا توجد شخصية عظيمة أساء الغرب تقديرها مثل محمد.
برغم أن سيرة حياة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أخذت كلها من مصادر موثوقة، وهو الرسول الوحيد الذي نعرف كل صغيرة وكبيرة عن حياته، وهي واضحة لا تحتوي على طلاسم، ويستطيع حتى الطفل دراستها واستيعابها، إذاً لما كل هذا البغض والحقد والتحريف؟ تقول ماريا شمل على لسان الدكتور مراد هوفمان: (يثير محمد أكثر من أي شخصية في التاريخ الذعر والكراهية والازدراء في العالم المسيحي، ومن أسباب ذلك أنه لا يتخيل ديانة أخرى بعد المسيحية ولا يفهم فعالية تلك الديانة وسر نجاحها وتحول كثير من مناطق البحر المتوسط إليها من المسيحية) (الإسلام كبديل للدكتور مراد هوفمان )
هذا سبب واحد من الأسباب الكثيرة التي يخشاها الغرب من الإسلام، وهو مقارنة بالأسباب الأخرى يعتبر سببا واهيا، وخصوصا أن الغرب لم يعد متدين وإنما أصبح معظمه مجتمعا علمانيا.
ويرى الدكتور هوفمان خريج جامعة هارفرد والدبلوماسي الألماني الشهير الذي اعتنق الإسلام عام1980م، والذي حاربته الصحافة الألمانية محاربة ضارية؛ فقد أثار نبأ إسلامه ضجة عالمية بسبب منصبه الرفيع في الحكومة الألمانية، يرى سر عداوة الغرب للإسلام قائلا) :الإسلام دين شامل قادر على المواجهة، وله تميزه في جعل التعليم فريضة، والعمل عبادة، وإن صمود الإسلام ورفضه الانسحاب من مسرح الأحداث عُد في جانب كثير من الغربيين خروجا عن سياق الزمن والتاريخ، بل عدوه إهانة بالغة للغرب) المرجع السابق.
وعندما بعث الدكتور هوفمان رسالة لأمه بعد إسلامه أشاحت بوجهها عنها وقالت) :ليبق عند العرب) من كلامها ومن كلام الكثير من أهالي الذين اعتنقوا الإسلام نرى أن الغربيين يسبحون في بحر من التكبر والغطرسة ويرون أنفسهم أنهم أعلا  رفعة من العرب، ولذلك يعادون الإسلام ظنا منهم أنه دين العرب، لا دين العالمين جميعا، وظناً منهم أن كل من يُسلم يصبح عربياً.
كتاب الكوميديا الإلهية الذي خلد ذكر دانتي( 1265- 1321)  شاعر إيطاليا وأوروبا الملحمي، هذا الكتاب يقول عنه الدكتور حسين محمود: ربما لم يترجم كتاب إلى اللغات الأجنبية ( باستثناء الكتاب المقدس) بعدد ترجمات الكوميديا الإلهية فقد بلغت في لغات بعينها عشرات المرات وترجم إلى اللغة الإنجليزية بما يقرب من خمسين ترجمة.
هذا الكتاب عبارة عن أناشيد عن الجحيم والمُطهّر والفردوس وتزيد عن المائة بقليل، والسؤال لماذا تُرجم هذا الكتاب لهذا العدد الهائل من الترجمات؟ ولماذا  حظي كاتبه بهذا الحظ من الانتشار والتبجيل؟ طبعا إذا عرفنا أن دانتي في النشيد الثامن والعشرين من الجحيم تصور في عدة أبيات نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في الوادي التاسع الرهيب في قاع جهنم سنكون قد عرفنا السبب، وكثير من المترجمين العرب يتجنبون ترجمة هذه الأبيات، ولكن من يريد أن يعرف ماذا قال دانتي في هذه الأبيات فلينظر مقدمة كتاب محمذ نبي لزماننا للمستشرقة كارين أرمسترونج .
ولنسأل أنفسنا من جديد هل هي مصادفة أن ينتشر كتاب يتصور فيه كاتبه رسولنا الكريم  محمد صلى الله عليه وسلم بذلك التصور الباطل والحقير؟ طبعا هذا لا يمكن أن يحدث إنه تخطيط وتدبير منذ القدم من الغرب لنشر الأكاذيب على رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام وإن كانت بطريقة غير مباشرة وكأنه احتفاء برائد عصر النهضة، كما احتفوا بكتاب سلمان رشدي حينما ألف كتابه(آيات شيطانية)، عندما يقرؤون كتاب دانتي وهو رجل عصره ورائد نهضته ويقول أبياته الحقيرة تلك أفلا  يصدقه أحد؟ طبعا سيصدقونه فهم يعرفون دانتي ومكانته ولكنهم لا يعرفون شيئا عن رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم سوى ما درسوه من تشويه في المدرسة والبيت والكنيسة والإعلام.
برغم أن دانتي استلهم كتابه ذلك من كتب الشرق التي نهبوها في حروبهم الصليبية (1096- 1291م)، فقد قسم دانتي جهنم في كتابه إلى درجات -لاحظوا أن في الإسلام المنافقين في الدرك الأسفل من النار كما أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم- وعندما وصل إلى حافة الجحيم سمع عويلا وصراخا فسأل الشاعر فرجيليو الذي كان يصاحبه في كتابه في رحلته إلى السماء: من هؤلاء؟ فأجابه أن هؤلاء الذين لم تكن لديهم الشجاعة في الحياة الدنيا لفعل الخير أو الشر أي أنهم لم يعصوا ولم يطيعوا الله فاستحقوا دخول الجحيم ولكن بأقل درجاتها، وهكذا توالى السقوط من درجة إلى أخرى ليرى المعذبين على حسب درجة ذنوبهم وقد رأى رسولنا الكريم  محمد صلى الله عليه وسلم في المستوى التاسع من الجحيم، وكان الأحرى بالغربيين المهووسين بدانتي وبكوميديته الإلهية والذين يريدون أن يعرفوا عن الفردوس والجحيم أن يقرؤوا قصة الإسراء والمعراج لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والتي يراها  المستشرقون  على أنها مجرد حلم مر برسولنا الكريم وهو نائم عند الكعبة المشرفة بعدما اشتد أذى المشركين عليه، وليس كتاب دانتي المليء بالأوهام والخيال، وخصوصا أنه رأى في كتابه الشعراء والفلاسفة اليونانيين أمثال ميروس وأوفيدوس رآهم مكبلين في الجحيم بالأكبال.
وعندما يأتي القساوسة في كنائسهم ويدعون الخرافات عن رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم هل يصدقونهم أم لا؟ وعندما يأتي دعاة العصر حيث الفضائيات تعبر البحار والقارات كأمثال فرانكلين جراهام الذي قام بالدعاء في حفل تنصيب الرئيس جورج بوش وقال الإسلام شر وشرير على مسمع  الملايين، وبات روبرتسون صاحب الإمبراطورية الإعلامية لليمين المسيحي قال: محمد إرهابي، أما القس جيري فاينس الرئيس السابق للمعمدانيين الجنوبيين( الذي يضم 16 مليون عضو) فقال في مؤتمرهم بعدما سب رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: الله ليس يهوه( الله بالعبرية في الكتاب المقدس) يهوه لا يحولك إلى إرهابي تقتل الناس. ( محمد نبي زماننا للمستشرقة كارين أرمسترونج/من مقدمة الناشر لترجمة الكتاب)
وإني لأعجب لعقولهم الصغيرة فإذا كان إلههم لا يحولهم إرهابيين  يقتلون الناس فكيف نفسر المذابح في فلسطين والعراق، وفي كثير من بلدان العالم التي اكتوت بنار الاستعمار الغربي ولقرون، إنه تناقض لا نجد له تفسيرا سوى أن الذين يصنعون هذه المذابح لا يمتون للدين المسيحي ولا لأي دين آخر بصلة أبدا.
فلما لا يقتنعون  بأن الإسلام دين تسامحاً أيضا وأن الذين يشيعون القلاقل في العالم لا يمتون للإسلام بصلة أبداً، إنهم يرون في كلامنا عن الإسلام وسماحته وعدالته نفس ما نراه من التناقض في كلامهم، وخصوصا أن هناك من شوه صورة الدين الإسلامي السمح فعلا بطريقة لا يمكن للجاهل بتعاليمه سوى التشكيك به وبسماحته، ومنهم على سبيل المثال الأب هان فوكنج فهو يرى أن الذين يؤولون الجهاد على أنه حرب دفاعية أو جهاد للنفس أخلاقيا ينكرون الشواهد القرآنية وأيضا شواهد التاريخ الإسلامي، بمعنى أنه إذا تكلم مسلم ضد الحرب العدوانية لنشر الإسلام فقد يكون محبا للسلام ولكن ليس مسلما، فلو كان مسلما حقا فعليه الالتزام بالآيات التي يراها فوكنج أنها تشعل الحروب. انظروا لحجم هذا الجهل، ولكن ما هذه الآيات التي يتكلم عنها الأب فوكنج: قال تعالى:( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) 5 التوبة، والآية( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) 73 التوبة، وأيضا( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق..) 4 محمد، عندما نقرأ تلك الآيات نجد أنه قد فصلها عن سياقها وبقية ما أنزل في نفس المسألة وعن أسباب نزولها لإثبات أن الدين الإسلامي دين عدواني( من كتاب الإسلام كبديل د.مراد هوفمان). 

فهل تظنون أن من سيسمع تلك الآيات سيصدقنا عندما نقول أن الإسلام دين تسامح وأنه لا ينشر عقيدته بالقوة، إذاً يجب أن ننتبه لتلك الدسائس ونحاربها بالغزو الفكري، فالغزو الفكري أخطر من غزو القنابل والأسلحة الفتاكة وكما يغزون فكر أبناءهم والعالم بتلك الأباطيل يجب أن نسخر كل مواردنا لنشر صورة الإسلام ونبينا الصحيحة، حتى ندحض ما ينشرونه، وما تلك الرسوم الساخرة والمسيئة لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم  سوى غيض من فيض، وما هي سوى إفراز لتلك العقلية التي تشبعت بما سمعته من أكاذيب ابتداء من البيت إلى المدرسة إلى الكنيسة إلى الإعلام.

إنهم ينشرون الأكاذيب لأنهم يخافون من الإسلام؛ ولأنهم يعلمون قوته التي لا تقهر، فقد قال بن جوريون: ( إن أخشى ما أخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد)، وقال منتجومري: ( إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام، فإنه ممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية في العالم مرة أخرى)، وقال مورو بيرجر: ( إن الإسلام يفزعنا حين نراه ينتشر بيسر في القارة الأفريقية)، وقال كلادستون رئيس وزراء بريطانيا السابق:)ما دام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق)، وقال المبشر لورانس براون:( إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرا، أو أمكن أن يصبحوا أيضا نعمة له ،أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير). وقال المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي: ( إن الوحدة الإسلامية نائمة، لكن يجب أن نضع في حسباننا أن النائم قد يستيقظ).
إنهم يشوهون الإسلام ورسول الإسلام لكي لا يستيقظ المارد الذي يخافون من استيقاظه.
ولكن كما أن هناك من ينشرون الأكاذيب عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هناك  منصفون أيضاً من العالم الغربي، وأقوالهم يجب أن نجعلها تصب في مصلحتنا،
فقد قال الأديب الروسي (ليو تولستوي) والذي حرمته الكنيسة بسبب آرائه الحرة الجريئة: "أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه، وليكون هو أيضاً آخر الأنبياء … ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها 
إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام، وفتح لها طريق الرقي والمدينة" .
وقال عالم اللاهوت السويسري المعاصر د. هانز كونج : "محمد نبي حقيقي بمعنى الكلمة، ولا يمكننا بعد إنكار أن محمداً هو المرشد القائد على طريق النجاة"
وقال الشاعر الفرنسي الشهير (لا مارتين) : "أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمد دراسة واعية، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود، ومن ذا الذي يجرؤ على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد ؟! ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه، عند النظر إلى جميع المقاييس التي تُقاس بها عظمة الإنسان؟! إن سلوكه عند النصر وطموحه الذي كان مكرساً لتبليغ الرسالة وصلواته الطويلة وحواره السماوي هذه كلها تدل على إيمان كامل مكّنه من إرساء أركان العقيدة"

ويقول الكونت كاتياني في كتابه (تاريخ الإسلام) :"أليس الرسول جديراً بأن تقدَّم للعالم سيرته حتى لا يطمسها الحاقدون عليه وعلى دعوته التي جاء بها لينشر في العالم الحب والسلام؟! وإن الوثائق الحقيقية التي بين أيدينا عن رسول الإسلام ندر أن نجد مثلها، فتاريخ عيسى وما ورد في شأنه في الإنجيل لا يشفي الغليل"
ويقول مايكل هارت الذي وضع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على رأس قائمة  المائة شخصية الأكثر تأثيرا في تاريخ البشرية في كتاب (المائة الأوائل)-منذ 1978وإلى نسخته الأخيرة -: "كان محمد الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح في مهمته إلى أقصى حد، سواء على المستوى الديني أم على المستوى الزمني"
وقال أيضا: " ولما كان الرسول  محمد قوة جبارة لا يستهان بها فيمكن أن يقال أيضا إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ"
ويقول الأديب الإنجليزي الحاصل على جائزة نوبل سنة 1925 برنارد شو: 
"إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجة للجهل أو التعصب، قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدوا للمسيحية، لكنني اطلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدوا للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم، لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها" 

ويقول أيضا: "إذا حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس ، قلنا إن محمداً رسول المسلمين أعظم عظماء التاريخ ، فقد كبح جماح التعصب والخرافات ، وأقام فوق اليهودية والمسيحية ودين بلاده القديم ديناً واضحاً قوياً ، استطاع أن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم"

والفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل الحائز على جائزة نوبل أيضا خصص الفصل الخامس من كتابه الأبطال لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وفيه دافع عنه بشدة، ودحض الأكاذيب التي كانت تقال عنه، وله كتيب صغير بعنوان(محمد) يدافع فيه عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ومن أقواله:
"لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث في هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خدّاع مزوِّر .وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ، صادق العزم بعيداً، كريماً بَراً، رؤوفاً، تقياً، فاضلاً، حراً، رجلاً، شديد الجد، مخلصاً، وهو مع ذلك سهل الجانب، لين العريكة، جم البشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب.كان عادلاً، صادق النية، ذكي اللب، شهم الفؤاد، كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم، ممتلئاً نوراً، رجلاً عظيماً بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، وهو غني عن ذلك"

و بعد أن أفاض كارليل في إنصاف النبي محمد صلى الله عليه وسلم ختم حديثه بهذه الكلمات : "هكذا تكون العظمة، هكذا تكون البطولة،هكذا تكون العبقرية"
ويقول المؤرخ كريستوفر دارسون في كتابه (قواعد الحركة في تاريخ العالم):"إن الأوضاع العالمية تغيرت تغيراً مفاجئاً بفعل فرد واحد ظهر في التاريخ هو محمد".
وغيرهم الكثيرين ممن أنصفوا نبيينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وإذا جئنا إلى ذكر  فيلسوف فرنسا فولتير فإننا كثيرا ما نقرأ أن فولتير قام بمهاجمة الإسلام ونبي الإسلام، ومرات أخرى نقرأ له آراء جميلة ورائعة عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فتحدث بلبلة في عقل القارئ، والحقيقة أن فولتير ألف مسرحية التعصب أو حياة محمد سنة 1720م وفيها إنتقد الإسلام ورسولنا الكريم عليه الصلاة والسلامحتى أنه شكك في أن جبريل كان ينزل عليه بالوحي، وكان بمسرحيته تلك يريد أن يهاجم بها الكنيسة التي كانت تتحكم بالناس، الكنيسة باركت العمل واحتفت به وهي لا تدري بأنها هي المقصودة بذلك الهجوم، ولكن عندما بدأ عرضها أحست بأن فولتير عندما ينتقد الإسلام ورسول الإسلام يقصد أنه ينتقدها هي، ولذلك منعت عرضها لاحقا، ولكن فولتير فعل ذلك لأنه كان يجهل الإسلام، ولكنه عندما قرأ عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وعن الإسلام غيّر نظرته العدائية وبدأ يصحح خطأه، وهكذا يفعل العقلاء، فامتدح الرسول  صلى الله عليه وسلم والإسلام بكلمات عذبة ورائعة، فقد ألف كتاب ( أخلاق الأمم وروحها) 1751م وفيه نفى كل الافتراءات عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ودافع عنه باعتباره مفكرا ومؤسس دين عقلاني حكيم، وألف لاحقا كتاب (بحث في العادات) 1765م امتدح الرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام والقرآن، وبرغم ذلك فإن المثقفين الغربيين المتأثرين بفولتير دائما ما يقدموا مسرحية التعصب في أطروحاتهم، وقد كان الأحرى بهم أن ينبذوا التعصب في زمن تلاقى الشرق بالغرب عبر الوسائل المختلفة، وكان الأحرى بهم أن يقدموا كتاب (أخلاق الأمم وروحها) أو أي كتاب من الكتب 99 التي ألفها، فقد كان أغزر كُتاب عصره نتاجا، 
ونقف عند أقواله قليلا فقد قال  للذين يهاجمون القرآن ويكيدون لأتباعه:"كيف تحقرون كتاباً يدعو إلى الفضيلة والزكاة والرحمة؟ كتاباً يجعل الرضوان الأعلى جزءاً لمن يعملون الصالحات، وتتوفر فيهم الكمالات الذاتية إن الذين يهاجمون القرآن لم يقرؤوه طبعاً"
وقال أيضا: "إن أكبر سلاح استعمله المسلمون لبث الدعوة الإسلامية هو اتصافهم بالشيم العالية اقتداءً بالنبي محمد"
وقال : "فجمال الشريعة الإسلامية وبساطة قواعدها الأصلية جذبا إلى الدين المحمدي أمما كثيرة، والذين لا يقرؤون التاريخ الإسلامي لا يستحقون الاحترام، والذين يسبون محمداً عليه الصلاة والسلام لا يستحقون الحياة"
وقال أيضا:"لقد قام الرسول بأعظم دور يمكن لإنســان أن يقوم به على الأرض … إن أقل ما يقال عن محمد أنه قـــد جاء بكتاب وجاهد ، والإسلام لم يتغير قط ، أما أنتم ورجال دينكم فقد غيرتم دينكم عشرين مرة"
وعندما نرى موقف فولتير نتبين أن الذين ينتقدون رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لم يعرفوه على حقيقته ولم يقرؤوا عنه شيئا ولا يكتبون سوى ما شُبعت به عقولهم منذ الصغر، والحل سيكون بأيدينا لنعرف الغرب برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، والحلول كثيرة وليست مستحيلة، وليكن ذلك بالإعلام بكافة أنواعه، وأيضا بالمناظرات كالتي كان ينظمها أحمد ديدات  يجب أن نتحول جميعنا لأحمد ديدات الذي يقول: (إذا عودنا أنفسنا على التعامل مع حقائق القرآن سنكون قادرين على فتح مجالات الحديث مع أي متخصص في فروع العلم)، يجب أن نكثف جهودنا المبذولة وخصوصا في مجال الإعلام،  يجب أن نعرف الجاهلين بديننا وبرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ما يجهلونه وخصوصا الذين يروجون تلك الأكاذيب والافتراءات يجب أن نكسبهم في صفنا، فلا يوجد عاقل يقرأ عن محمد صلى الله عليه وسلم إلا وينبهر به، وليكن شعارنا التعريف أولا. 
وإني أرى أنه من المخزي أن يموت آلاف البشر يوميا في العالم دون أن يكونوا على ملة الإسلام، يجب أن نجدد ما فعله رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الطاهرين من أجل نشر الإسلام بالكلمة والموعظة الحسنة، يجب أن نتحد وندعو الله تعالى أن يؤلف بين قلوبنا كما آلف قلوب المهاجرين والأنصار، فلن يصلح حال هذه الأمة إلا إذا اتحدت وأذابت الجليد الذي صنعته المذاهب التي هي من صنع الإنسان، وأذابت حدود الدول التي تسعى كل دولة لترسيمها دوليا لانعدام الثقة بين الجيران، ويجب طرد فكرة أن العربي مظلوم – وغلبان- حتى يستعيد ثقته بنفسه في كل مكان، يجب أن نتحد تحت مظلة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما اتحد وتآخى تحت ظلها أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فعلت كلمتهم وقويت شوكتهم، وليبدأ كل واحد من داره وأهله، يجب أن نجدد ولاءنا لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وننصره كما نصره أهل يثرب.


عزة محمد الكمياني
من كتاب (مع أي الفريقين أنتم؟؟)
المقال نشر في جريدة الوطن