عزة بنت محمد الكميانية
اكتشف العالم فجأة أن الصحة أهم من المال والأعمال، وبصيغة أدق الصحة أهم من السياسة والاقتصاد، ومن كل شيء يمكن أن يخطر على البال، فبدون الصحة أو بوجود أي شيء يهددها يتوقف كل شيء.
واكتشف العالم فجأة أن التسلح بالأدوية والأجهزة الطبية أهم من التسلح بالصواريخ والترسانات النووية، وأن تمويل مختبرات العلم أهم من تمويل مختبرات القتل، وأن عالم بيولوجي أهم من نجم مشهور.
واكتشف العالم أن الصلاة والدعاء والتضرع لله تعالى أهم من التسلية، وقضاء الوقت في اللهو والمجون دون أن يكترث أن هناك إله يغضبه، بل إن الكثيرين اكتشفوا فجأة أن هناك إله يُدبر أمر هذا الكون، وأن لديه جنود يرسلهم أينما شاء، ومتى شاء، ويصرفهم عمن يشاء، بل إنَّ من أعظم الاكتشافات التي اكتشفها الإنسان في هذه الأزمة أن طبع قبلة على خد الصغير هي نعمة عظيمة، لم يكن يشعر بها، وتاقت نفسه إليها، بعدما غزا هذا اللا مرئي العالم.
وبالرغم أنني اكتشفت كل ذلك منذ زمن طويل، وكنت أستشعر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حُيِّزت له الدنيا بأسرها). إلا أن الاكتشاف الأخير كان من أعظم الاكتشافات التي أذهلتني، تقبيلنا لأطفالنا وأطفال أقاربنا، حضننا لهم، مصافحة أهلنا وأصدقائنا، كم هي نِعم عظيمة أن نلمس أحبتنا، ونشعر بالقرب منهم، كان كل شيء يمضي دون أن نشعر بعظمة ذلك، وأنه لا يمكن أن يحدث إلا بمشيئة الله وقدرته عز وجل.
كان مؤلمًا أن يعود أطفالنا من المدرسة دون أن نحتضنهم ونقبلهم، وأن نزور بيت أحد أقاربنا دون أن نسلِّم عليهم أو نقبِّل صغارهم، بعدما اُكتشفت أول إصابتين في عُمان، ولكن الأشد ألمًا أننا فقدنا اليوم حتى رؤيتهم، في هذه العزلة فقدنا التجمعات الحميمة مع الأقارب والأصدقاء، وهي من النعم العظيمة التي كنا نغفلها، وكأنَّ الله يريد أن يُشعرنا بالبشر الذين يعيشون في دول الحروب المشتتين في الأرض، يشتاق أحدهم للآخر فلا يستطيع زيارته، لأن زيارته لهم فيها مغامرة كبيرة ربما يفقد حياته بسببها، أو لأنه تفصل بينهم قارات تفرقوا فيها، أينما قدرهم رماهم، يشتاقون لأمهاتهم ولآبائهم ولأخوتهم، فلا يجدونهم، يشتاقون لأصدقائهم، فلا يمكنهم الوصول إليهم، يشتاقون لحيِّهم الذي تربوا فيه، فلا يستطيعون زيارته، وكأن الله يريدنا أن نشعر بمعاناتهم، وأن نختبر مشاعر الألم حينما تغلق المساجد والمدارس والأسواق ويصبح كل شيء ثانوي إلا ما يضمن الحفاظ على الأرواح، أن نخرج مثلهم وكأننا خارجين لعملية فدائية، وأن نخاف ونحن في بيوتنا، أو نحن خارجين للحي المجاور لحيِّنا، أن نسمع أخبار الذي يخيفنا وهو بعيدًا عنا لكن أرجله تتمدد وتقترب منا، فنخشى أن يصل إلينا، إنه كالحرب في البلدان التي اشتعلت فيها الحروب، حينما تكون بعيدًا تمد ألسنة لهيبها حتى تستحوذ بالجسد كله، ومن منَّا لم يدخل الذعر قلبه، ومن منا لم يشعر بالقلق والخوف من هذا المجهول المختبئ لنا، ولأحبتنا.
التحذيرات تنهمر على رؤوسنا، نشعر وكأنَّ كارثة تنتظرنا، نخشى الخروج من منازلنا، نخشى أن نلمس وجوهنا، نخشى أن يغافلنا هذا الكائن المتناهي في الصغر أو أن يغافل أحد أحبتنا.
حتى ونحن في بيوتنا نشعر أن هذا اللا مرئي يندس بيننا، في مقابض الأبواب، ومفاتيح الكهرباء، وفي أكياس المشتريات، نشعر أنه يندس في أيدينا، وملابسنا، وفي أسرَّتنا وتحت وسائدنا.
تتشكل في عقلك سيناريوهات كثيرة وأنت ترى دول تسقط تحت براثن هذا الوباء، تعاني من وسواس النظافة، يزداد وسواسك، تسرف في تنظيف بيتك، وغسل يديك وملابسك، وأنت تعلم يقينًا أنه لا شيء يحميك من هذا الكائن اللا مرئي سوى قدرة الله وحده، تشعر أن كل أسلحتك لا فائدة منها سوى سلاح واحد، هو سلاح الدعاء.
الكل خائف، يترقب، متوجس، الكل ينتظر أن يمضي أسبوعين، فهناك عائدٌ من السفر، وهناك من اختلط ببشر عائدون من السفر، وهناك من أُكتشفت حالات إصابة في مقر عمله أو دراسته، وهناك من يعمل في مستشفى أو اضطر للذهاب للمستشفى، وهناك من خرج لشراء مؤونة للبيت، وكلما مضى أسبوعين استجد شيئًا، وأخيرًا تكتشف أن هذان الأسبوعان لا يمضيان أبدًا ما دام المرض لا يزال متفشيًا في البلد، ولا حل سوى الاستسلام وتفويض الأمر لله تعالى.
وإن كان هذا البلاء في ظاهره العذاب فإن في باطنه الرحمة؛ بعدما رأينا كيف عاد كثير من البشر لرشدهم، وبعد أن تنفَّست الأرض الصعداء بعد أن كان نفسها مكتومًا بسبب التلوث والغازات، مما أدى لالتئام ثقب الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية، كما نشرت مجلة ناشيونال جيوغرافيك، وليست الأرض وحدها من تنفست الصعداء إنما حتى الحيوانات التي كادت تنقرض أو التي هاجرت بعيدًا بسبب التلوث والضوضاء.
وقد رأينا تكاتفنا، وخوفنا على بعضنا، وكيف اندفع الشباب لخدمة وطنهم، فمن يصنع أجهزة ومن يبتكر تطبيقات لاحتواء الأزمة، ومن يستورد المواد الغذائية من بلد المنشأ دون وساطة، ليثبتوا لنا أنهم هم الاستثمار الحقيقي، فإذا استطاع الشباب أن يصنعوا جهاز للتعقيم وأجهزة للتنفس الصناعي ألن يستطيعوا صنع اشياء أخرى تجعلنا من الدول المصنعة؟! هل كنا نحتاج لشيء يُصحِّينا من غفلتنا، أن نأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع، ولا يمكننا أن نغفل أهمية التبادل التجاري، ولكن يجب أن نكون منتجين أيضا وليس مستهلكين دائما، وأن يكون لدينا اكتفاء ذاتي، وخاصة من الأشياء المهمة والضرورية للحياة، كما أن هذه الأزمة فتَّحت الأعين لأشياء كثيرة، كخطورة العمالة الوافدة التي يجب تصحيح قوانين استجلابهم، ومعاملتهم كبشر يستحقون الحياة برفاهية، بحيث يوفر لهم المسكن الصحي والملائم، ومحاربة التجارة المستترة بكل أشكالها.
وكل يوم تظهر لنا تجليات عظمة الله تعالى حتى في وقت البلاء والشدة، فبعد أن اختلفت الدول في التوقيع على الاتفاقيات التي تقلل من انبعاث الغازات التي تلوث البيئة، جاءت قدرة الله تعالى لتوقف كل شيء، ليتعافى كوكب الأرض بعد أن كان على حافة كارثة حتمية، فهل سيستفيد العالم من الدرس، أم سيعود أكثر عتوا وعلوا؟!
وكم من لطفٍ خفي حدث ويحدث وسيحدث حتى تنتهي هذه الأزمة يعلمه الله ولا نعلمه.
وكم من لطفٍ خفي حدث ويحدث وسيحدث حتى تنتهي هذه الأزمة يعلمه الله ولا نعلمه.
وإن كانت لنعمة عظيمة أن ابتلانا الله بالجلوس في بيوتنا وليس بالخروج منها، وخلال هذه المحنة تعلمنا دروس كثيرة، وكما يقال: (إن العبد ليتعلم في ساعات البلاء ما لا يتعلمه في سنين العافية).
وقد اكتشفنا أن الأمن عظيم، عظيم جدا، وأن الصحبة الطيبة، واللَّمة العائلية، ولقاء الأصدقاء والأحبة أثمن من كل شيء.
في هذه العزلة أصبح الاجتماع مع الأحبة الذين نطمئن لوجودهم ونشعر بالراحة معهم شيء مخيف ومقلق، وحتى لو اجتمعنا لشيء مهم جدا نجتمع بخوف كمن ينتظر أن تسقط عليه قنبلة، ولكنها قنبلة مؤجلة لا نعلم بها إلا بعد فوات الأوان، وقد نشرت شظاياها في أجسادنا، أو أجساد أحبتنا، نجتمع والخوف يملأ قلوبنا خوفًا من تسلل هذا اللا مرئي إلى أجسادنا دون أن ندري.
فهل سيفهم أمراء الحرب معنى ذلك أم سيصموا آذانهم عن إنذار الله لهم؟! بعد أن أذاقهم الله الخوف والتشتت، فلا هم قادرين على احتضان أحبتهم، ولا قادرين على مصافحتهم، وإذا اجتمعوا الخوف يملأ قلوبهم، وشعوبهم تموت بين أيديهم دون أن يستطيعوا فعل شيء، هل شعروا بمعنى أن يتألم ويموت مئات بل آلاف الضحايا في الحروب دون أن يكون هناك طاقم طبي ينقذهم، أو أسرَّة وأجهزة طبية كافية لاحتواء آلامهم، هل شعروا بالشعوب التي فُرض عليها حظر التجول، وحُبست في بيوتها، بسبب قنابلهم التي تنهمر على رؤوسهم، هل شعروا بمعنى أن تخشى من عطسة انطلقت بقربك أو تسللت من بيت جيرانك لأذنك، كمن كان يخشى من صوت طائرة محلقة تقترب منه، وهل شعروا بمعنى أن تخاف أن ينفد عليك الطعام فلا تستطيع شراء غيره لشحه في الأسواق، أو لصعوبة التسوق في ظل الأجواء المشحونة بالخوف والقلق، هل شعروا بكل ذلك أم أنهم لا يزالون في غيِّهم يعمهون؟!
وهل اتعظ الذين يهددون بقيام حرب عالمية ثالثة، فجاءتهم الحرب من حيث لم يحتسبوا، أم أنه لا تزال طبول الحرب تطربهم؟!
بماذا يذكرونك السياح الذين حُبسوا في السفن السياحية العملاقة، دون أن يجدوا دولة تسمح باستقبالهم؟
ألا يذكروك باللاجئين في قوارب الموت، وقد تقطعت بهم السبل، والدول تغلق حدودها في وجوههم؟
وإن كان أولئك السياح ينزلون في غرف فاخرة في تلك السفن العملاقة، إلا أن الأمر يتشابه حينما يرفرف الموت بينهم دون أن يجدوا مُنقذًا لأزمتهم.
وبالرغم أن ما يجري في الحروب من إزهاق للأرواح وانهيار للاقتصاد، وذعر وخوف ونفوس مشحونة بالخوف تارة، وبالأمل تارة أخرى، وما يجري الآن من عبث هذا الفيروس بالعالم لا يمكن أن يكون بينهما أدنى مقارنة، فالحرب أشد وأقسى، ولكن هناك تشابه كبير بينهما، وخاصة أنها جاءت حرب شاملة لم تسلم دولة من الاكتواء بها.
وربما تكون مقارنة كهذه هي مقارنة ليست عادلة، فهناك فرقٌ شاسع بين أن تحبس في بيتك وبين أن تخرج منه للعراء، وبين أن تحبس وأنت تتوفر لديك كل مقومات الرفاهية، وبين أن تحبس أو تطرد من بيتك، وأنت لا تملك أدنى مقومات الحياة، وبين الموت في سفينة مُرفهة في عرض البحر وبين الموت في قاربٍ بائس تتقاذفه الأمواج
في كل اتجاه.
في كل اتجاه.
هذا الكائن اللا مرئي زحزح أمان العالم، وأقلق نومه، حتى لو أردنا تجاهله ونسيانه يتسرب لنا اسمه من كل مكان، حتى حينما قررنا عدم متابعة الأخبار، وغلق شبكة المعلومات، ونسيان ما يجري في العالم وحتى في الحي المقابل لحيِّنا؛ حفاظًا على صحتنا النفسية، وجدناه قد تسرب إلينا من هواتفنا: (بقاؤك في البيت واجبٌ وطني لوقف انتشار فيروس كورونا، لا تخرج إلا للضرورة القصوى) كلما أردنا الاتصال بأحبتها لنطمئن عليهم، بعد أن فرقنا هذا الكائن المتناهي في الصغر عن رؤيتهم والاجتماع بهم، حتى أصبح اسمه الذي كان يسبب الذعر مألوفًا لنا، أعرفتم كيف يألف شعوب الحروب الحرب ومشاعر الخوف والقلق، فيسلموا الأمر لخالقهم بعدما انفلت الأمر من بين أيديهم، فلا أمل للنجاة من هذا الخوف الجماعي سوى التفويض والتسليم لله تعالى.
ولن نقول أننا لم نختبر الخوف يومًا، فقد اختبرناه كثيرًا، ولكن جاء هذه المرة قويًا ومدويًا، لأنه جاء خوفًا جماعيًا لأول مرة نختبره بهذه الشدة والقسوة، وخاصة أن وسائل الإعلام تضخمه، وتهوله حتى يلتزم الناس بالتعليمات، ولو لا هذا التضخيم والتهويل لكانت الأزمة أشد وطأة وألما.
ولا يمكننا أن نغفل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (عجبًأ لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له).
ومما لا شك فيه أن كل خير فهو من الله تعالى، وكل شر فهو من أنفسنا، لذلك نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ولنواصل الالتزام بالتعليمات، وبالتباعد الاجتماعي، وأن لا نتراخى حتى تنتهي هذه الأزمة بأقل الخسائر، ولا ننسى أسلحتنا الأقوى: الدعاء والاستغفار والصلاة على خير الأنام.
ولنستعن بالصبر والصلاة حتى يمضي كل شيء بسلام، ونتنفس الصعداء، ونلمس وجوهنا دون أن نشعر بالذنب وتأنيب الضمير، ونقترب من أحبتنا دون أن نخشى شيئًا.
المقال في صحيفة أثير